مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُخْتَارَاتٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ - مُحْسِنُ الْخَطِيبُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 47 من 102

قَالَ تَعَالَى﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(1)، لِأَنَّ النَّفْسَ الْجَاهِلَةَ كَدِرَةٌ وَالْعَالِمَةَ شَفَّافَةٌ مُضِيئَةٌ، وَالْمُؤْمِنِينَ يَرْقَوْنَ إِلَى الصَّفَاءِ وَهُوَ عَالَمُ الْعَقْلِ، وَالْكَافِرُونَ يُرَدُّونَ فِي الْمُرَكَّبَاتِ.

وَقَالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعْبَةَ قَدَّسَهُ اللهُ فِي الْأَصَيْفَرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ الَّتِي فِي الْإِنْسَانِ لَهَا قِوىً ثَمَانِيَةٌ، فَمِنْهَا ظَاهِرَةٌ وَمِنْهَا بَاطِنَةٌ، فَالظَّاهِرَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ التَّخَيُّلُ وَالْفِكْرُ وَالْفِطْنَةُ وَالذِّكْرُ، وَمَجْمُوعُ هَذَا يُقَالُ لَهُ الرُّوحُ النَّفْسَانِيُّ، وَمِنْ شَأْنِ هَذِهِ الْقُوَى إِذَا انْجَذَبَتْ إِلَى النَّفْسِ فَعَلَتِ الْعَدَالَةَ وَالْعِفَّةَ وَالدِّيَانَةَ وَالنَّبَاهَةَ وَالْخَيْرَاتِ وَمَا شَاكَلَهُمْ، وَإِذَا انْجَذَبَتْ إِلَى الْقُوَى الظَّاهِرَةِ مَالَتْ إِلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ النُّفُوسُ مَتَى غَلَبَتْ عَلَى النَّفْسِ النَّاطِقَةِ مَالَتْ بِصَاحِبِهَا إِلَى الرَّذَائِلِ وَمُنَاسَبَةِ الْبَهَائِمِ وَاكْتَسَبَتْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ أَخْلَاقاً مُفْسِدَةً نَجِسَةً مُبْعِدَةً لَهُ عَنْ رُوحِ الْقُدُسِ قُدُسِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ قَدَّسَهُ اللهُ فِي جَادَّةِ النَّجَاحِ: خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ صَالِحاً لِلدَّارَيْنِ لِأَنَّ اللهَ أَبْدَعَ عَالَمَ الْمَلَائِكَةِ مِنَ النُّورِ عَقْلاً بِلَا شَهْوَةٍ وَعِلْماً بِلَا جَهْلٍ، وَخَلَقَ عَالَمَ الْحَيَوَانِ مِنَ الظُّلْمَةِ شَهْوَةً بِلَا عَقْلٍ، فَلَمْ يَكُنْ عَالَمُ الْمَلَائِكَةِ يَصْلُحُونَ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ الَّذِي بِهَا عَمَارُ الدَّارِ الْأَرْضِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ عَالَمُ الْحَيَوَانِ يَصْلُحُونَ لِمَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى، فَأَبْدَعَ اللهُ عَالَمَ الْإِنْسَانِ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ النُّورُ وَالظَّلَامُ وَهُوَ مَجْمُوعُ الْعَالَمَيْنِ، فَهُوَ يُشَابِهُ الْمَلَائِكَةَ بِاسْتِضَاءَةِ النُّورِ بِمَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى وَقَبُولِ الْإِشْرَاقِ، وَيُشَابِهُ الْحَيَوَانَ بِمَا يَصْلُحُ بِهِ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ وَالشَّهْوَةِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾(2)فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِمَا فِيهَا مِنْ مَجْمُوعِ الْعَالَمَيْنِ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ.

الهوامش

1سورة الحشر الاية (9)
2سورة البقره الاية (257)
الصفحة 47 من 102