فَلَمْ يَذُمَّ الْغَضَبَ وَهُوَ يَقْصِدُ نَزْعَهُ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ لَوْ زَالَتْ مِنْهُ قُوَّةُ الْغَضَبِ لَفَقَدَ مِنْهُ الِانْتِصَارَ لِلْحَقِّ وَبَطَلَ الْجِهَادُ وَإِعْلَاءُ كَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّمَا يُذَمُّ الْغَضَبُ لِلشَّيْطَانِ وَالْأَغْرَاضِ الذَّمِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ الْغَضَبُ لِذَلِكَ كَانَ مَذْمُوماً، وَإِذَا كَانَ الْغَضَبُ فِي اللهِ وَلِلهِ كَانَ مَمْدُوحاً وَهُوَ مِنْ شَمَائِلِهِ عَزَّ عِزُّهُ.
وَكَذَا ذَمُّ الشَّهَوَاتِ أَيْضاً لَيْسَ الْمُرَادُ أَبْطَالَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ يُطْفِئُ شَهْوَتَهُ كَانَ نَاقِصاً فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَصْرِيفُهَا فِيمَا أُبِيحَ لَهُ بِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصَالِحِ لِيَكُونَ الْإِنْسَانُ عَبْداً مُتَصَرِّفاً طَوْعَ الْأَوَامِرِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَكَذَا الْعَصَبِيَّةُ حَيْثُ ذَمَّهَا الشَّارِعُ وَقَالَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ، فَإِنَّمَا مُرَادُهُ حَيْثُ تَكُونُ الْعَصَبِيَّةُ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَحْوَالِهِ كَمَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ فَخْرٌ بِهَا أَوْ حَقٌّ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مَجَانٌ مِنْ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ وَغَيْرُ نَافِعٍ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعَصَبِيَّةُ فِي الْحَقِّ وَإِقَامَةِ أَمْرِ اللهِ فَأَمْرٌ مَطْلُوبٌ، وَلَوْ بَطَلَتْ لَبَطَلَتِ الشَّرَائِعُ إِذْ لَا يَتِمُّ قِوَامُهَا إِلَّا بِالْعَصَبِيَّةِ كَمَا قُلْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
وَكَذَلِكَ الْمُلْكُ لَمَّا ذَمَّهُ الشَّارِعُ لَمْ يَذُمَّ مِنْهُ الْقِيَامَ بِالْحَقِّ وَقَهْرَ الْكَافَّةِ عَلَى الدِّينِ وَمُرَاعَاةَ الْمَصَالِحِ، وَإِنَّمَا ذَمَّهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغَلُّبِ بِالْبَاطِلِ وَتَصْرِيفِ الْآدَمِيِّينَ طَوْعَ الْأَعْرَاضِ وَالشَّهَوَاتِ كَمَا قُلْنَاهُ، فَلَوْ كَانَ الْمَلِكُ مُخْلِصاً فِي غَلَبِهِ لِلنَّاسِ أَنَّهُ لِلهِ وَلِحَمْلِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ وَجِهَادِ عَدُوِّهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْمُوماً، وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَزَّ عِزُّهُ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ﴾(1)




