وَعَنْ قَوْلِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ عَزَّ عِزُّهُ: أَنَا مِنْ أَبِي وَأبِي مِنِّي، عَنَى بِذَلِكَ كُنْتُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ وَأَنَا الْآنَ هُوَ فَإِذَا ظَهَرَ هُوَ فَهُوَ أَنَا. وَقَوْلُهُ: أَنَا مِنْ نُورِي وَنُوري مِنِّي، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْحِجَابَ يَظْهَرُ لِظُهُورِ الْبَارِي وَيَغِيبُ لِغَيْبَتِه، وَإِن كَانَ ذَلِكَ مِنْ شُعَاعِ ذَلِكَ، وَإِنَّ الشُّعَاعَ لَيْسَ مِنْ كُلِّيَّتِهِ السِّينُ كَمَا أَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ مِنَ الْقَافِ وَهَذَا الْغَيْرُ يَجْرِي مَجْرَى لَا مَوْصُولٍ وَلَا مَفْصُولٍ، وَإِنَّ الرَّسُولَ يَقُولُ: مَنْ قَدْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي.
وَعَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾(1).أَيِ النَّفْسُ هِيَ الْمِيمُ، ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾: أَيْ تَحْتَ تَلَالِي نُورِ الْمَعْنَى نُورَاً مَضِيَّاً لَا مُتَّصِلٌ وَلَا مُنْفَصِلٌ مِنْ نُورِ الذَّاتِ الْقَدِيمِ، مُخْتَرَعاً مِنْ غَيْرِ نَقْصِ نُورِ نُورِ الذَّاتِ بَلْ مِثْلَ الشُّعَاعِ مِنَ الْقُرْصِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ السَّيِّدِ عَلِيِّ النَّاعِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ:
غَابَ عَنْهُ مَايَةُ أَلْفٍ بِالْكَلَلِ | بَاءُ الْكَمَالِ عَدَدَ السِّنِينَ وَيَنْتَظِرُ نُورَ الْأَزَل
|
يَعْنِي يَنْتَظِرُ مَوْلَاهُ فَعَلِمَ أَنَّهُ مُكَوَّنٌ مِنْ قِدَمِ قِدَمِ الذَّاتِ أَظْهَرَ لَهُ الْمَعْنَى نُوراً يَتَلَأْلَأُ بِهَيْئَةِ كَمَالِ أَزَلِيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُ الِاسْمُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مَوْلَايَ أَنْتَ اخْتَرَعْتَنِي مِنْ نُورِ ذَاتكَ فَأَنَا عَبْدُكَ مُتَكَوِّنُ إِظْهَارِكَ لِي رَحْمَةً وَإِينَاَسِكَ لِي عَدْلاً وَلُطْفاً بِي وَأَنْتَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.
اعْلَمْ أَيُّهَا الْأَخُ الشَّفِيقُ لَمَّا السَّيِّدُ الْمِيمُ كَمَّلَ الشَّهَادَةَ لِمَعْنَاهُ أَوْهبهُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَجْرَى إِرَادَةَ الْمَعْنَى لِاسْمِهِ أَنْ يَخْلُقَ لَهُ بَاباً عَلَى يَدِ السَّيِّدِ الْمِيمِ فَنَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِذَا السَّيِّدُ الْبَابُ نُوراً عَلَى هَيْئَةِ نُورِ الِاسْمِ، فَغَابَ الْمَعْنَى وَالِاسْمُ خَمْسِينَ عَاماً، فَالْغَيْبُ يَقَعُ عَلَى الْمَخْلُوقِ لَا عَلَى الْخَالِقِ لِأَنَّ الْبَابَ مَخْلُوقٌ نُوراً بَسِيطاً يَعْلَمُ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَلَمْ يَرَ غَيْرَهُ فَظَهَرَ الِاسْمُ إِلَى بَابِهِ السَّيِّدِ السِّينِ نُوراً أَكْبَرَ مِنْهُ يَعْنِي أَشَدَّ ضِيَاءً مِنْ نُورِ الْبَابِ، فَلَمَّا رَأَى الْبَاءَ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا" أَرَادَ أَن يُتِمَّهَا "إِلَّا أَنْتَ ".




