وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمُ الثَّالِثُ إِنَّ الْوُقُوفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَامَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْحِسَابِ بِأَيِّ الْأَجْسَادِ إِذَا كَانَ لِلرُّوحِ قُمْصَانٌ جَسَدِيَّةٌ كَثِيرَةٌ.
فَالْجَوَابُ: نَأْخُذُهُ عَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِهِ تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ (ص ٢٩٩) إِذْ يَقُولُ إِنَّ الْبَعْثَ هُوَ بَعْثُ النُّفُوسِ فِي الْأَبْدَانِ وَهُوَ مُمْكِنٌ أَنْ يُرَدَّ النُّفُوسُ إِلَى أَيِّ بَدَنٍ كَانَ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ مَادَّةِ الْبَدَنِ الْأُولَى أَمْ مِنْ غَيْرِهَا أَمْ مِنْ مَادَّةٍ اسْتُؤْنِفَ خَلْقُهَا، فَالْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ لَا بِبَدَنِهِ، إِذْ تَتَبَدَّلُ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ الْبَدَنِ مِنَ الصِّغَرِ إِلَى الْكِبَرِ، بِالْهُزَالِ وَالسِّمَنِ، وَتَبَدُّلِ الْغِذَاءِ وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ مِزَاجُهُ، وَيَبْقَى مَعَ هَذَا الْإِنْسَانُ بِعَيْنِهِ نَعَمْ فَمَا دَامَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ لَا بِبَدَنِهِ، فَإِنَّ النَّفْسَ تُبْعَثُ فِي أَيِّ بَدَنٍ وَتُحْضَرُ أَعْمَالُهَا جُمْلَةً وَيُكْشَفُ عَنْهَا الْغِطَاءُ لِتَرَى بِالْبَصَرِ الْحَدِيدِ جَمِيعَ أَعْمَالِهَا فِي حَيَوَاتِهَا السَّابِقَةِ الَّتِي تُشَكِّلُ وَحْدَةً لَا انْفِصَالَ فِيهَا فَيُقَالُ لِصَاحِبِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾(1) أَقُولُ هَذَا الرَّدُّ كَافٍ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.




