الْمبحثُ الْخَامِسَ عَشْرَ
"التَّقَمُّصُ عِنْدَ الْإِسْلَامِ (٤)"
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾(1)هَذِهِ الْآيَةُ حَيَّرَتْ أَلْبَابَ الْمُفَسِّرِينَ لِمَا فِيهَا مِنْ تَأْكِيدِ التَّمَاثُلِ بَيْنَ أُمَمِ الْبَشَرِ وَأُمَمِ الْحَيَوَانِ وَالطَّيْرِ فَقَدْ صَارَ التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَسْبُوقِ بِالنَّفْيِ لِكَيْ يُفِيدَ الْحَصْرَ وَيَنْفِيَ الشَّكَّ وَلَيْسَتِ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ أُمَمِ الْحَيَوَانِ وَأُمَمِ الْبَشَر مِنْ حَيْثُ تَهْيِئَةُ أَسْبَابِ الرِّزْقِ وَبَقَاءُ النَّوْعِ، بَلِ امْتَدَّتِ الْمُمَاثَلَةُ إِلَى الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الدَّيَّانِ يَوْمَ الْحَشْرِ لِتَلَقِّي نَتَائِجِ الْأَعْمَالِ مِنْ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْمُمَاثَلَةِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَعَلَى رَأْسِهِمُ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ تَعْرِفُ اللَّهَ وَتُوَحِّدُهُ وَتُسَبِّحُهُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾(2) وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾(3).
فَالْقَائِلُونَ بِالتَّنَاسُخِ مَالُوا فِي التَّفْسِيرِ إِلَى أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ إِنْ كَانَتْ سَعِيدَةً مُطِيعَةً لِلَّهِ مَوْصُوفَةً بِالْمَعَارِفِ الْحَقَّةِ، وَبِالْأَخْلَاقِ الطَّاهِرَةِ فَإِنَّهَا بَعْدَ مَوْتِهَا تَنْتَقِلُ إِلَى أَبْدَانِ الْمُلُوكِ وَإِنْ كَانَتْ شَقِيَّةً جَاهِلَةً عَاصِيَةً فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى أَبْدَانِ الْحَيَوَانَاتِ وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ أَكْثَرَ شَقَاوَةً وَاسْتِحْقَاقاً لِلْعَذَابِ نُقِلَتْ إِلَى بَدَنِ حَيَوَانٍ أَخَسَّ أَكْثَرَ شَقَاءً وَتَعَباً وَاحْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ أَقْوَالِهِمْ بِصَرِيحِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ شَرْحِهَا وَلَفْظَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْآيَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ الْمُسَاوَاةِ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ.




