وَلَقَدِ اهْتَمَّ الْعَرَبُ الْمُسْلِمُونَ بِالْهَرْمَسِيَّةِ، اهْتِمَاماً وَاسِعاً، وَوَجَدَ بَيْنَ شُيُوخِ الْكَلَامِ مُتَهَرْمِسُونَ وَعَنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَتِ الْهَرْمَسِيَّةُ إِلَى الْغَرْبِ وَأَثَّرَتْ فِي بَعْضِ مُفَكِّرِيهِمْ، أَمَّا فَلْسَفَةُ التَّجَسُّدِ أَوِ التَّقَمُّصِ لَدَيْهِ، فَقَدْ أَوْضَحَتْهَا رُؤْيَاهُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي نُلَخِّصُ بَعْضَ مَقْطَعِهَا بِالْآتِي قَالَ هَرْمَسُ إِنَّ النُّورَ الْمَالِئَ الْكَوْنَ خَاطَبَهُ وَكَاشَفَهُ بِالسِّرِّ الْإِلَهِيِّ قَائِلاً النُّورُ الَّذِي يَرَاهُ، هُوَ الرُّوحُ الْإِلَهِيُّ الْحَاوِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِالْقُوَّةِ الْمُتَضَمِّنِ رُسُومَ كُلِّ الْكَائِنَاتِ أَمَّا الظُّلْمَةُ فَهِيَ الْعَالَمُ الْمَادِّيُّ الْعَائِشُ فِيهِ بِنُورِ الْأَرْضِ وَالضِّيَاءُ الْمُتَدَفِّقُ مِنَ الْأَعَالِي هُوَ الْكَلِمَةُ الْإِلَهِيَّةُ.
وَأَمَّا رُوحُ الْإِنْسَانِ فَحَيَاتُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
تَقَلُّبُهَا بِالْمَادَّةِ أَيِ التَّقَمُّصِ.
تَرَقِّيهَا فِي النُّورِ.
إِنَّ الْأَرْوَاحَ نَبَاتُ السَّمَاءِ، وَسَفَرُهَا فِي الْقُمْصَانِ تَجْرِبَةٌ لَهَا فَفِي التَّقَمُّصِ تَفْتَقِدُ ذِكْرَى نَشْأَتِهَا السَّمَاوِيَّةِ، وَسُكْرُهَا بِخَمْرَةِ الْحَيَاةِ فِي أَثْنَاءِ اعْتِقَالِهَا فِي الْقُمْصَانِ يَنْحَدِرُ بِهَا كَسَيْلٍ نَارِيٍّ إِلَى مَوَاطِنِ الْعَذَابِ وَالْهَوَى وَالْمَوْتِ وَذَلِكَ بِوُلُوجِهَا إِلَى السِّجْنِ الْأَرْضِيِّ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ الْآنَ وَتَحْسَبُ الْحَيَاةَ الْإِلَهِيَّةَ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ.




