مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

ثَمَرَةُ الْعِلْمِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى وَالاِسْمِ - مُحَمَّدُ عِيسَى الْيَحْمُورِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 4 من 32

وَكَمَا كَانَ الْوَاجِبُ غَيْرَ مُتَنَاهٍ، اِسْتَحَالَ أَنْ تَنْطَبِعَ لَهُ صُورَةٌ بِالْفِكْرِ، وَإِذَا اسْتَحَالَ أَنْ تَنْطَبِعَ لَهُ صُورَةٌ بِالْفِكْرِ، وَإِذَا لَا تَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ فِي الذِّهْنِ، فَلَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ ذَاتِهِ لِلذِّهْنِ، وَالْوَاجِبُ مُتَنَزِّهٌ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَلَا جُزْءَ لَهُ، وَلَا عَرْضَ يُعْرَضُ لَهُ، وَلَا صِفَةَ، وَلَا حَدَّ، وَلَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ وَلَا آخِرَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ عَزَّ عِزُّهُ: إنَّ اللَّهَ احْتَجَبَ عَنِ الْعُقُولِ كَمَا احْتَجَبَ عَنِ الْأَبْصَارِ.

فَقَدِ اتَّضَحَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَوَالِمَ الْمُشَاهَدَةَ الْمُتَغَيِّرَةَ، مَرْئِيَّةً كَانَتْ أَوْ مُتَصَوَّرَةً، كُلَّهَا مُمْكِنَةٌ، وَالْوَاجِبُ غَيْرُهَا، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَحَدُ الْوَاجِبُ، وَكُلُّ الْمَوْجُودَاتِ مُمْكِنَةٌ، وَهِيَ مِنْ آثَارِ قُدْرَتِهِ، وَبِهَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وَمَرْجِعُهَا كُلُّهَا إِلَى النَّفْيِ وَالسَّلْبِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى إِدْرَاكِ كُنْهِ الذَّاتِ.

وَقَدْ قَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ لِلْسَّائِلِ فِي كِتَابِ الْأُسُوسِ: إِنَّ الْمَعْنَى عَزَّ عِزُّهُ لَهُ حَدَّانِ: حَدٌّ مَعْلُومٌ وَحَدٌّ مَجْهُولٌ، فَالْحَدُّ الْمَجْهُولُ الَّذِي هُوَ الْبُطُونُ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ فِي ذِهْنٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي وَهْمٍ، وَلَا تَقَعُ عَلَيْهِ نِسْبَةٌ، وَلَا لَهُ صِفَةٌ وَلَا جَوْهَرٌ، وَلَا يُتَّخَذُ قِبْلَةً، وَلَا يُقْصَدُ إِلَيْهِ بِدُعَاءٍ، وَذَلِكَ حَدٌّ لَا يَسْتَعْبِدُ بِهِ خَلْقَهُ وَلَا تُعْطَى لِأَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ وَلَا يُدْرَى كَيْفَ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الْحَدُّ الْمَجْهُولُ أَمَّا الْحَدُّ الْمَعْلُومُ: فَيُعْرَفُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، أَنْ يَكُونَ الْجَوْهَرُ مُبَايِنًا، وَيَكُونَ مُشَاكِلًا، وَيَكُونَ مِنْ جِنْسٍ، وَلَا يَكُونَ مِنْ ضِدٍّ وَيَكُونَ دَاخِلًا، وَيَكُونَ يَقْدِرُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَكُونَ خَارِجًا مِنْ مُعَايِنِهَا فِي الْجَوْهَرِ، فَذَلِكَ إِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ.

الصفحة 4 من 32