بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَمَّا بَعْدُ اِعْلَمْ أَيُّهَا الْأَخُ الْكَرِيمُ، ثَبَّتَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، إِنَّ اللَّهَ الْأَحَدَ وَاجِبُ الْوُجُودِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ هُوَ الْمَوْجُودُ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ مُوجِدٍ، أَيْ لَيْسَ لِوُجُودِهِ سَبَبٌ مِنْ غَيْرِهِ، بَلِ الْعِلَّةُ فِي وُجُودِهِ هِيَ ذَاتُهُ، لَا شَيْءَ آخَرُ، فَلَا عِلَّةَ لَهُ، وَالْعَقْلُ يَحْكُمُ بِوُجُودِهِ جَزْمًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوُجُودِ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ لَكَانَتْ كُلُّ الْمَوْجُودَاتِ مُحْتَاجَةً إِلَى مُوجِدٍ، وَلَوْ كَانَتْ كُلُّ الْمَوْجُودَاتِ مُحْتَاجَةً إِلَى مُوجِدٍ، لَمْ يُوجَدْ شَيْئَاً أَصْلَاً لِعَدَمِ وُجُودِ مُوجِدِهِ، لَكِنْ نُشَاهِدُ الْمَوْجُودَاتِ فَنَجْزِمُ بِبُطْلَانِ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِنَّهُ لَابُدَّ فِي الْمَوْجُودَاتِ مِنْ مَوْجُودٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُوجِدٍ، وَتَكُونُ بَقِيَّةُ الْمَوْجُودَاتِ مُحْتَاجَةً فِي وُجُودِهَا إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي، إِنَّ الْوَاجِبَ لَا يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْحِسِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ بِالْبَصَرِ وَمُشَارٍ إِلَيْهِ بِحَاسَّةٍ جِسْمَانِيَّةٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ دُونَ جِهَةِ الرَّائِي، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَكُونُ فِي جِهَةٍ دُونَ جِهَةٍ بَلْ مُحِيطٌ بِكُلِّ جِهَةٍ، لَا تَخْلُو مِنْهُ جِهَةٌ وَلَا مَكَانٌ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُدْرَكُ بِالْفِكْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْفِكْرَ كَالْمِرْآةِ تَنْطَبِعُ فِيهَا صُورَةُ الْنَّاظِرِ، وَكَمَا لَا يَنْطَبِعُ فِي الْمِرْآةِ إِلَّا الْمَحْدُودُ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْطَبِعُ فِي الْفِكْرِ إِلَّا مَا هُوَ مُتَنَاهٍ،




