وَهُوَ فِي قِدَمِهِ جُزْءٌ أَصَمُّ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلَا يَنْقَسِمُ، وَلَا يَتَحَيَّزُ، وَلَا يَتَجَسَّمُ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُرُوفِ، وَلَا يُوصَفُ بِمَوْصُوفٍ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ تَحْدِيدٌ، وَلَكِنَّهُ يُظْهِرُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا لِخَلْقِهِ كَهُمْ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ وَلِيَدْعُونَ بِهَا، كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْكَلَامِ لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ، لَا بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَذَاتُهُ لَا تُعْرَفُ بِرُؤْيَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ إِلَّا بِتَجَلِّيهِ، وَتَجَلِّيهِ لَا يُدْرَكُ بِكَمَالِهِ، لِأَنَّ التَّجَلِّيَ يَقَعُ بِحَسَبِ قُوَّةِ النَّاظِرِ إِلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ فِي ذَاتِ الْمُتَجَلِّي بِحَرَكَةٍ تُوجِبُ الِانْتِقَالَ عَنْ حَالِ بُطُونِهِ إِلَى حَالِ ظُهُورِهِ، بَلْ لِتُمَكُّنِ مَعْرِفَتُهُ فِي قُلُوبِ عَارِفِيهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ حَالَ تَجَلِّيهِ مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي عَجَزَ الْمَخْلُوقُونَ عَنِ الْإِيتَاءِ بِمِثْلِهَا، لِأَنَّ مِنْ تِلْكَ الْقُدْرَةِ قُدْرَتُهُ، فَلَيْسَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ صُورَتُهُ، لِقَوْلِ الشَّابِّ الثِّقَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَيْمُونِ ابْنُ الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ وَصَفْنَا مَا عَرَفْنَا، وَعَبَدْنَا مَا وَجَدْنَا، وَحَقَّقْنَا فَوَحَّدْنَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الْقَطِيعِي عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ الرِّفَاعِيِّ قَالَ: قَالَ لَنَا سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ وَنَحْنُ بِحَضْرَتِهِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلَادِهِ: كُلُّ مَنْ عَبَدَ غَيْبًا لَا يُعْرَفُ، وَرَبًّا لَا يُثْبَتُ، لَمْ يَعْبُدْ شَيْئًا، إِلَّا نَحْنُ عَبَدْنَا مَنْ سَمِعْنَا كَلَامَهُ، وَحَذَّرَنَا عِقَابَهُ، وَأَوْعَدَنَا بِرَحْمَتِهِ وَثَوَابِهِ، وَقَالَ لَنَا عَلَى مِنْبَرِ عَظَمَتِهِ: أَنَا، وَلَا يُعْلِنُ بِنُونِ الْعَظَمَةِ إِلَّا الْمَعْنَى جَلَّ وَعَلَا، فَلِأَجْلِ هَذَا سُمِّيْنَا مُوَحِّدَةً، لِأَنَّنَا عَبَدْنَا مَنْ رَأَيْنَاهُ، وَدَلَّنَا عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَعَرَفْنَاهُ، فَأَيٌّ مَنْ دَبَّرَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ، وَحَقَّقَ مَعَانِيهَا، وَأَنْصَفَ عَقْلَهُ مِنْ هَوَاهُ، عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ لِعَارِفِيهِ،




