وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الْمَعْرِفَةُ لَا تَكُونُ تَامَّه إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْمَعْقُولَاتِ وَالْأَنْوَارِ الْمُجَرَّدَاتِ، لِأَنَّ الْمَحْسُوسَاتِ أَعْرَاضٌ، وَالْأَعْرَاضُ زَائِلَةٌ، لَا يُقَالُ لَهَا جَوْهَرٌ، لِأَنَّ الْجَوْهَرَ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، مُسْتَغْنٍ بِحَقِيقَةِ وُجُودِهِ.
وَقَدْ قِيلَ أَيْضَاً: مَنْ بَلَغَ مَوَاقِعَ الصِّفَةِ بَلَغَ قَرَارَ الْمَعْرِفَةِ، حَيْثُ إَنَّ الْمَوَاقِعَ: السِّينُ مِنْهُ السَّلَامُ، وَالصِّفَةُ: الْمِيمُ لِذِكْرِهِ الجَلَالَةُ وَالتَّعْظِيمُ، وَقَرَارَ الْمَعْرِفَةِ الْحَقُّ الْمُبِينُ.
وَعَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ أَيْضَاً حَيْثُ قَالَ: انْفُوا عَنَّا مَا رَأَيْتُمْ مِنَ التَّخَاطِيطِ وَالصُّوَرِ، وَاثْبِتُوا مَا عَرَفْتُمْ فِينَا مِنَ الْإِشَارَاتِ وَالْقُدَرِ، فَمَنْ نَفَى مَا رَأَى، وَأَثْبَتَ مَا عَلِمَ، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا.
وَعَنْهُ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾(1) فِيمَا تَدْعُوهُ، قَالَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ: بِنَفْيِ الصِّفَاتِ تَنْزِيهُ الذَّاتِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي كِتَابِ الْحُجُبِ وَالْأَنْوَارِ: إِنَّ الْمَعْنَى الْأَكْبَرَ الْجَلِيلَ الْأَعْلَى لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِحِجَابٍ وَاحِدٍ وَصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَنْزِلُ فِي الْحُجُبِ الْكَثِيرَةِ، لِئَلَّا يَضِلَّ الطَّالِبُ فَلَا يَدْرِي إِلَى أَيِّ حِجَابٍ يَقْصِدُ، فَإِنْ قَصَدَ إِلَى وَاحِدٍ دُونَ الْآخَرِ فَيَكْفُرُ، وَإِنْ قَصَدَ إِلَى الْكُلِّ فَلَا يَجُوزُ وَيَكُونُ قَدْ أَشْرَكَ، لِأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ، وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْأَحَدِيَّةِ الْفَرْدَانِيَّةِ الصَّمَدَانِيَّةِ فَالْثَّلَاثَةُ وَالْجَمَاعَةُ فَسَادٌ عَلَى التَّوْحِيدِ وَهَلَاكُ الْمُوَحِّدِينَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.




