وَذَلِكَ أَنَّكَ تَرَاهَا كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ النِّبْرَاسِ فَإِذَا تَدَبَّرْتَ الْعِلْمَ بِهَا عَلِمْتَ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لَا تَسْتَطِيعُ حَدَّهَا وَإِنْ أَنْتَ حُجِبْتَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا عَجَزْتَ عَنِ الْبُلُوغِ إِلَى إِدْرَاكِ مَاهِيَّتِهَا وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَتَدَبَّرَ دَوَرَانَهَا عَجَزْتَ عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ دَائِرًا لَا يَخْلُو دَوَرَانُهُ مِنْ إِحْدَى وُجُوهٍ شَتَّى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَائِرًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلِدَوَرَانِهِ نِهَايَةٌ إِذَا انْتَهَى مَدَارُهُ سَكَنَ عَنْ الدَّوَرَانِ، وَلَسْنَا نَجِدُ لِدَوَرَانِهَا نِهَايَةً، وَإِنْ كَانَتْ إِنَّمَا تَدُورُ بِمُدِيرِهَا فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُدِيرِ مُدِيرٍ يُدِيرُهُ وَيَتَسَلْسَلُ الْأَمْرُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، أَوْ تَكُونُ إِنَّمَا تَدُورُ دَفْعًا كَدَفْعِ السَّهْمِ، أَوْ مَجْرُورَةً كَجَرِّ الْبَهِيمَةِ، فَاَلَّذِي يُقْدِّرُهَا يَعْجَزُ عَنْ تَقْدِيرِهَا وَاَلَّذِي يَرَاهَا يَعْجِزُ عَنْ إِدْرَاكِهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مُشَاهَدَةٌ، وَالْبَارِي جَلَّ ذِكْرُهُ مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ فَإِذَا اُسْتَدْلَلَتْ عَلَيْهِ بِأَفْعَالِهِ وَتَأَمَّلَتْ مُعْجِزَاتَهُ وَقُدْرَتَهُ نَفَيْتَ عَنْهُ الصُّوَرَ وَالتَّجْسِيمَ وَأَثْبَتَّ وُجُودَهُ وَرُؤْيَتَهُ، قَالَ عَابِدُ الصَّنَمِ: فَمَا الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الظُّهُورِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى هِدَايَةِ الْعَالَمِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَأَيْضًا قَدْ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَيَّدَهُمْ قَالَ الْمُسْلِمُ: لَوْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْعَالمِ لَمَا عُرِفَ وَلَا أُثْبِتَ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ لَمْ تَثْبُتِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُنْكِرِ بِإِنْكَارِهِ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ وَلَمْ يَعْرِفْ، وَكَذَلِكَ الْمُقِرُّ إِذَا أَقَرَّ بِمَا لَمْ يَظْهَرُ وَيُعْرَفُ وَيُشَاهِدُ كَانَ مُبْطِلًا بِاقْرَارِهِ وَكَاذِبًا وَمَذْمُومًا لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَا يَعْرِفُهُ وَيُشَاهِدُهُ




