قَالَ: إِنَّ الْحَالَ الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ يَعْبُدُوا الْأَصْنَامَ حَالٌ عَظِيمٌ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ وَاضِحٌ وَلَسْتُ أُخْرِجُ إِلَيْكَ احْتِجَاجَهُمْ وَسِرَّ دِيَانَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ آخُذَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ عَهْدًا وَثِيقًا أَنَّكَ رَجُلٌ لَا تُذِيعُهُ وَلَا تُلْقِي هَذَا السِّرَّ إِلَّا لِمَنْ تَثِقُ بِفَضْلِهِ وَعَقْلِهِ وَدِينِهِ فَقَالَ لَهُ: لَكَ عَلَيَّ ذَلِكَ، فَقَالَ: اعْلَمْ -أَيْدَكَ الله- أَنَّهُ نُقِلَ إِلَيْنَا أَخْبَارًا ذَكَرَهَا شُيُوخُنَا الصَّادِقُونَ الَّذِينَ بَانَ صِدْقُهُمْ وَعِلْمُهُمْ وَحِكْمَتُهُمْ سَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ إِنَّهُ كَانَ قَدْ ظَهَرَ لِلْأُمَّةِ فِي مُتَقَدَّمِ الدُّهُورِ شَخْصٌ دَعَا الْأُمَّةَ كُلَّهَا إِلَى نَفْسِهِ فَأَجَابَهُ قَوْمٌ وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ مَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ الْمُعْجِزَاتِ وَأَتَى بِالْقَدْرِ الْبَاهِرَاتِ وَأَبَانَ لِلنَّاسِ بَيْتَ الْحِكْمَةِ وَعَمِلَ فِيهِ الصُّوَرَ الْمُذَهَّبَةَ وَرَتَّبَ لِلْمُسْتَجِيبِينَ مَرَاتِبًا وَطَبَّقَ لَهُمْ طَبَقَاتٍ وَجَعَلَ لَهُمْ أَعْلَى الْمَنَازِلِ، وَكَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ لِلْعِبَادَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ عَلَا عَلَى أَعْلَى مَكَانٍ وَالنَّاسُ وُقُوفٌ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ وَیرَوْنَ شَخْصَهُ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْحِكْمَةَ الْبَالِغَةَ وَيُظْهِرُ الْمَوَاعِظَ الْحَسَنَةَ وَيُؤَدِّبُهُمْ بِالْآدَابِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَرَأَ التِّلْمِيذُ الْكَبِيرُ الَّذِي هُوَ دُونَ مَنْزِلَتِهِ مِثْلَ مَا يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَقْرَأُ التِّلْمِيذُ الصَّغِيرُ مِثْلَ مَا يَقْرَأُهُ التِّلْمِيذُ الْكَبِيرُ ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلُّ أَصْحَابِ طَبَقَةٍ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الْقِرَاءَةِ تَقَدَّمَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَمَامَهُمْ وَخَرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ وَقَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا الْمَطْلُوبُ وَإِلَيْكَ تَنْتَهِي آمَالُنَا وَعَلَيْكَ اعْتِمَادُنَا فِي كُلِّ حَالٍ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ سُجُودِهِمْ جَلَسَ لِلنَّاسِ مَجْلِسًا عَامًّا وَيَحْضُرُ النَّاسُ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ،




