وَأَنْتَ فِي فُسْحَةٍ مَا لَمْ تَسْمَعْهُ فَتُذِيعَهُ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي فَإِنْ أَنَا لَمْ أَذِعْهُ مَاذَا يَكُونُ مِنِّي؟ قَالَ: تَكُونُ مِمَنْ اسْتُوْدِعَ سِرَّ الله فَكَتَمَهُ فَأَتَاهُ الله ثَوَابَ الصَّالِحِينَ وَأَلْحَقَهُ الله بِعَالَمِ اللَّاحِقِينَ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاثِقٌ بِالله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُثَّبِتَنِي وَيَهْدِيَنِي، قَالَ: وَمَعَ هَذَا إِنَّ الَّذِي تُرِيدُهُ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا مَلْكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ، وَأَنْتَ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِكَ مَا لَمْ آمُرْكَ بِأَمْرٍ وَأَنْهَاكَ فَتُخَالِفَ أَمْرِي فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلَاكِكَ، قُلْتُ لَهُ: وَأيِنَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَيِّدِي قَالَ: مُحَافَظَةُ إِخْوَانِكَ وَمُرَاعَاتُهُمْ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَفَقُّدِهِمْ وَمُوَاصَلَتِهِمْ وَأَنْ لَا تَتَعَدَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْعَمَى مُكْتَسَبٌ مِنْ النَّظَرِ إِلَى مَحَارِمِهِمْ، وَالطَّرْشُ مُكْتَسَبٌ مِنْ اسْتِمَاعِ الْقَبِيحِ فِيهِمْ، وَالْبَرَصُ مُكْتَسَبٌ مِنْ الْوَقِيعَةِ بِهِمْ وَالِاسْتِنْقَاصِ من مَقَادِيرِهِمْ، وَمَا مِنْ عِلَّةٍ ظَاهِرَةٍ كَانَتْ أَوْ بَاطِنَةٍ إِلَّا وَهِيَ مُكْتَسَبَةٌ مِنْ أَجْلِهِمْ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وَانْظُرْ إِلَى مَوْضِعِ مَا تُقْدِمُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي إِنِّي وَاثِقٌ بِالله عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ سَيُعْصِمُنِي عَنْ قَبِيحٍ آتِيهِ مَعَ إِخْوَانِي، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ إِلَى أَنْ وَصَلْتُ فِي الْقُرْآنِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾(1)، فَقَالَ لِي: أَمْسِكْ، فَأَمْسَكْتُ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الطَّاهِرِ قَدْ كُنْتَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ تُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَهَذِهِ الْقُرَى الَّتِي بُورِكَ فِيهَا وَالْقُرَى الظَّاهِرَةُ مَا تَفْسِيرُهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا الْقُرَى الظَّاهِرَةُ فَقَدْ فَسَّرْنَاهَا قُرَى مَكَّةَ وَأَمَّا الْقُرَى الَّتِي بُورِكَ فِيهَا فَهِيَ قُرَى الشَّام
1سورة سبأ – الاية 18




