فَمَا أَنَّ وَارَيْتُهُ فِي حُفْرَتِهِ أَتَيْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَاسْتَدْعَيْتُ الرَّجُلَ الَّذِي عِنْدَهُ الْكُتُبَ فَجَعَلْتُ أَمْرِي إِلَيْهِ وَسَلَّمْتُ نِعْمَتِي إِلَيْهِ وَاسْتَخْدَمْتُ نَفْسِي لَهُ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ لَا أَبِيتُ إِلَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَلَا يَلَذُّ لِي الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِلَّا مَعَهُ، وَلَا أَعْمَلُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَا مَرَّ وَقْتٌ أَخَلو بِهِ إِلَّا وَأَسْأَلُهُ عَنْ مَعَالِمِ دِينِي فَمَا يَزِيدُنِي غَيْرَ الْقَوْلِ الَّذِي كَانَ يَقُولُهُ لِي وَالِدِي، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَخِفْتُ أَنْ تُصَادِفَنِي الْمَنِيَّةُ قَبْلَ أَنْ أَصْلَ إِلَى مَا أُرِيدُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ وَجَاءَ وَقْتُ الْحَجِّ فَجَهَّزْتُ جِهَازَ الْحَجِّ، وَكَانَ قِيمَةُ مَا أَنْفَقْتُهُ عَلَى شِرَاءِ جَمَالٍ وَآلَةٍ وَغِلْمَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ خَمْسَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَأَخَذْتُ مَعِي خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ أُخْرَى وَسِرْتُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحَجِّ، وَعِنْدِي أَنَّهُ مَا خَرَجَ مِنْ الطَّالِقَانِ رَجُلٌ أَحْسَنُ حَالاً مِنِّي وَلَا أَعْلَمُ مِنِّي وَلَا أَعْرِفُ وَلَا أَفْهَمُ وَلَا أُفْضَلُ، فَوَالله مَا كَانَ إِلَّا أَنْ تَوَارَيْتُ عَنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَدْرَكَتْنِي الْمَصَائِبُ، فَمَا نَزَلَتُ مَنْزِلًا إِلَّا وَأَصَبْتُ فِيهِ إِمَّا بِمَوْتِ غُلَامٍ أَوْ شَيْءٍ يَضِيعُ فَشَمِتَ بِي جَمِيعُ مَنْ يَعْرِفُنِي مِنْ أَهْلِ بَلَدِي وَقَالُوا إِنَّمَا تُصِيبُكَ الْمَصَائِبُ دُونَنَا لِأَنَّكَ اتَّبَعْتَ مَذْهَبَ أَبِيكَ وَدَأْبَهُ وَالْغُلُوُّ وَالْكُفْرُ، وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ مُحْتَسِبٌ، وَلَمْ تَزَلْ أُمُورِي تَتَنَاقَصُ إِلَى أَنْ دَخَلْتُ مَكَّةَ وَلَمْ يَبْقَ مَعِي إِلَّا بُخْتٌ وَاحِدٌ يَحْمِلُ ثِقْلِي وَمَمْلُوكٌ كَانَ مِنْ خَاصَّةِ غِلْمَانِي، فَلَمَّا دَخَلْتُ مَكَّةَ اسْتَأْجَرْتُ مَوْضِعًا أَسْكَنَهُ وَعَمِلَتْ عَلَى دَفْنِ الْمَالِ فَاعْتَلَّ الْغُلَامُ فَخَرَجَتُ لِأَحْضِرَ لَهُ طَبِيبًا ثُمَّ عُدْتُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ،




