ثُمَّ انْثَنَى إِلَى الصَّغِيرِ فَقَالَ: حَدِّثْنِي أَنْتَ بِحَدِيثِكَ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِكَ وَكَيْفَ كَانَ تَدْبِيرُكَ لِنَفْسِكَ وَأَمْرِ دُنْيَاكَ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي أَمَّا أَنَا فَجَمِيعُ مَا دَفَعْتَهُ إِلَيَّ وَمَا اشْتَغَلْتُهُ وَكَسِبْتُهُ، فَفِي أَبْوَابِ الْخَيْرِ أَنْفَقْتُهُ، وَأَمَّا إِخْوَانِي فَكُنْتُ أَقْضِي حَوَائِجَهُمْ وَحُقُوقَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ وَأَغْشَاهُمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ فَمَنْ رَأَيْتُهُ فِي حَالِ اخْتِلَالٍ سَدَدْتُهُ وَمَنْ رَأَيْتُهُ مُحْتَشِمًا مِنِّي بَدَأْتُهُ، وَأَمَّا نَهَارِي فَفِي طَلَبِ الْعِلْمِ قَطَعْتُهُ، وَلِيَلِي فِي التَّفْكِيرِ أَفْنَيْتُهُ، وَإِنَّنِي لَأَسْتَحِي مِنْ ذِكرِ مَا عَمِلتُهُ وَ أهْمَلْتُهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ تَقَبَّلَ الله مِنْكَ صَالِحَ مَا عَمِلْتَهُ، أَمَّا مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ بَرِّ الْإِخْوَانِ وَمُلَاطَفَتِهِمْ وَمُوَاصَلَتِهِمْ فَبِالله اتَّصَلْتَ، وَخَيْرُ كَنْزٍ اكْتَنَزْتَ وَأَنْفَعَ ذَخِيرَةٍ ذَخَرْتَ، وَأَمَّا طَلَبُكَ الْعِلْمَ وَاجْتِهَادُكَ فِيهِ وَسَهَرُكَ فِي التَّفْكِيرِ وَنَظَرُكَ فِي مَعَانِيهِ، فَبِزِّيّ الْحُكَمَاءِ تَزَيَّنَتَ وَبِثَوْبِ الْعُلَمَاءِ تَجَمَّلَتَ وَبَتَاجِ الْبَهَاءِ تَتَوَّجَتَ وَمِنْ عَيْنِ الْحَيَاةِ شَرِبَتَ وَنَعِمْتَ وَجَنَيَّتَ وَعَمّرْتَ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَبْلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي قَدْ كُنْتُ أَخَافُ أَنْ تُدْرِكَنِي النُّقْلَةُ قَبْلَ اجْتِمَاعِي مَعَكَ وَإِذْ قَدْ مَنَّ الله عَلَيَّ بِكَ وَرَزَقَنِي مِنْكَ حَظًّا وَقَبَولًا فَوَصِّنِي بِوَصِيَّةٍ تَنْفَعُنِي بِهَا فَإِنِّي أَقْبَلُ وَصِيَّتَكَ وَارُونِي رِوَايَةً تُحْيِي بِهَا قَلْبِي فَإِنِّي أَحْفَظُ رِوَايَتَكَ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنْ تُرِدْ أَنْ تَنْتَفِعَ بِوَصِيَّتِي وَتَعْرِفَ حَقِيقَةَ رِوَايَتِي فَاكْتُبْ مَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِأَقْلَامِ قَلْبِكَ وَفِي رِقِّ حِفْظِكَ وَاجْعَلْهُ فِي صُنْدُوقِ صَدْرِكَ وَاكْتُمْهُ وَلَا تُبَيِّنْهُ إِلَّا لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْ لِمَنْ تَمْتَحِنُهُ.




