وَرَأَيْتُ أَبَا الطَّاهِرِ سَابُورَ وَقَدْ الْتَزَمَ الصَّبِيُّ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَجَعَلَ يُقْبَلُ فَاهُ، فَمَا زَالَ عَنْهُ حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَكَلَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ هَذِهِ الْعَيْنُ الَّتِي تَرَاهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ وَجَرَتْ، فَأَمَرَ أَنْ يُغْسَّلَ فَغَسَلَهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ وَكُفِّنَ بِكَفَنٍ كَانَ مَعَهُمْ وَطُيّبَ بِطِيبٍ مَا رَأَيْتُ أَزْكَى مِنْهُ رَائِحَةً وَقَامَ فَصَلَّى عَلَيْهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَامُوا لِلْوَدَاعِ فَوَدَّعُوهُ، وَجَاءَنِي الصَّبِيُّ فَضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنِي وَوَدَّعَنِي وَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْمَيْمُونِ أَكْثِرْ مِنْ الدُّعَاءِ وَكُنْ بِالله وَاثِقًا، وَلَوْلَاكَ لَمْ أَكُنْ رَجَعْتُ إِلَى هَذِهِ الدِّيَارِ وَلَا كُنْتُ فَارَقْتُ هَذِهِ الْأَشْخَاصَ الَّتِي رَأَيْتُهَا وَقَدْ قَضَيْتُ مِنْكَ وَطَرًا وَسَمِعْتَ مِنِّي عَجَبًا فَاحْفَظْ مَا سَمِعْتَهُ وَلَا تَبْذُلْهُ إِلَّا لِمُسْتَحِقِّهِ، هَذِهِ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ فَاقْبَلْهَا وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ رَكِبُوا وَرَكِبَ الْغُلَامُ وَسَارُوا، فَمَا أَنْ تَوَلَّوْا عَنِّي حَتَّى اجْتَهَدْتُ أَنْ أَرَاهُمْ فَمَا رَأَيْتُهُمْ وَلَا لَحِقَهُمْ نَظَرِي ثُمَّ إِنِّي حَفَرْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَبْرًا لِأَبِي الطَّاهِرِ وَاسْتَدْعَيْتُ أَوْلَادَهُ وَإِخْوَانَهُ فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَدَفَنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرَاهُ وَبَنيَتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقُبَّةَ وَجَعَلَتُ عَلَيْهَا هَذَا الْقِنْدِيلَ الَّذِي أُسْرَجَهُ عَلَيْهِ وَآلَيْتُ أَنْ لَا أَدَعُهُ يَنْطَفئُ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا مَا بَقِيَتْ، فَهُوَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ لَمْ يَنْطَفئْ وَهَذَا مَشْهَدُهُ، وَإِنْ اخْتَرْتَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ تَزُورَهُ فَزُرْهُ وَانْصَرِفْ عَنِّي وَلَا تُعَاوِدْنِي بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ وَثِقْ بِمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي فَمَا سَمِعَهُ مِنِّي أَحَدٌ سِوَاكَ وَلَا تَبْذُلْهُ لِغَيْرِ نَفْسِكَ أَوْ لِمَنْ عِنْدَكَ كَنَفْسِكَ




