وَلَمْ يَكُنْ كَلَامُنَا وَشِعَارُنَا وَدِثَارُنَا غَيْرَ ذِكْرِ الله وَالتَّسْبِيحِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَشُكْرِهِ وَلَمْ نَزَلْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ وَافَيْنَا مَعَ الْقَوْمِ عِشْرِينَ سَنَةً بِأَحَادِيثَ وَأَقَاصِيصَ لَا يَتَّسِعُ صَدْرِي لِذِكْرِهَا وَلَا يَتَّجِهُ خَاطِرِي لِوَصْفِهَا وَلَا يُمْكِنُ الْوَقْتُ لِشَرْحِهَا، وَلَمَّا كَانَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ نَظَرْنَا فَإِذَا بِغُلَامٍ صَغِيرِ السِّنِّ قَدْ جَاءَنَا وَنَزَلَ بِنَا فَرَأَيْنَاهُ بِصُورَةٍ لَمْ نَرَ فِي مَعْنَاهَا شَكْلًا وَكَمَالًا وَفَهْماً فَمَالَ إِلَيْهِ سَيِّدِي وَأَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْهِ، وَأَقَامَ الْغُلَامُ عِنْدَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَيِّدِي مَعَهُ لَا يُفَارِقُهُ وَلَا يَمَلُّ مِنْ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ رَأَيْنَا السَّفِينَةَ وَقَدْ أَقْبَلَتْ إِلَيْنَا وَنَزَلَ مِنْهَا الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ فِيهَا فَأَقْبَلْنَا نَحْوَهُ خَاضِعِينَ لَهُ وَهُمَّ سَيِّدِي بِالنُّهُوضِ مَعَنَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لِضَعْفِ قُوَّتِهِ فَأَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ وَيُدْنَى إِلَيْهِ فَحُمِلَ وَأُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ نُقْلَتَكَ قَدْ دَنَتْ وَقَدْ قَرُبَ صَفَاؤُكَ وَانْتِقَالُكَ إِلَى مَقَامٍ تَكُونُ فِيهِ بِرُوحِكَ وَمِنْهُ تَخْلُصُ إِلَى الْعَالَمِ اللَّطِيفِ وَتَلْحَقُ بِاللَّاحِقِينَ وَتَكُونُ فِي جِوَارِ الْأَزَلِ الْقَدِيمِ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدِي: الْأَمْرُ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَرَأَيْتُهُ وَهُوَ يَهْوِي بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى الْغُلَامِ الَّذِي قَدَّمْتُ ذَكَرَهُ الصَّغِيرُ السِّنِّ، وَالْغُلَامُ قَدْ حَثَّ عَلَيْهِ وَجَعَلَ صَدْرَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَفَمُهُ عَلَى فَمِهِ فَمَا اشْتَالَ عَنْهُ حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَدْعَى جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ فَأَمَرَهُمْ بِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ فَفَعَلُوا وَاجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِهِ فَدُفِنَ ثُمَّ انْعَطَفَ عَلَيَّ الْغُلَامُ




