وَأَنْ يُجْعَلَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَقُومُ بِهِ وَيَكْفِيهِ، وَلَوْ ذَكَرْتُ مَا أُرِّخَ لَهُمْ مِنْ حِكْمَتِهِمْ وَسِيَاسَتِهِمْ لِرَعِيَّتِهِمْ وَأَشْيَاعِهِمْ لَطَالَ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرُوا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمْ فِي أَكْلِ الطَّعَامِ لِطَلَبِ لَذَّةٍ وَلَا لِشَهْوَةٍ، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمَلُونَ مِنْهُ بِمِقْدَارِ مَا يَحْفَظُ الْقُوَّةَ وَيُمْسِكَهَا عَنْ الضَّعْفِ، وَذَكَرُوا أَنَّ أَكْثَرَ مُلُوكِ الْهِنْدِ لَا يَأْكُلُونَ الْحَيَوَانَ وَيُمْنَعُونَ مِنْ أَكْلِهِ، وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يَتْرُكُ أَكْلَهُ زَهَدًا فِيهِ وَرَهْبَانِيَّةً وَكَانَ احْتِجَاجُهُمْ عَلَى تَرْكِهِ أَنَّهُ ذُو حِسٍّ يَجِدُ الْأَلَمَ كَمَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ وَيَقُولُونَ إِنَّ الْحَيَوَانَ بِرُوحِهِ حَارٌّ وَرَطَبٌ وَبِجِسْمِهِ بَارِدٌ وَيَابِسٌ، فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ الرُّوحُ وَعَدِمَ الْحَيَاةَ عَادَ إِلَى الْبُرُودَةِ وَالْيُبُوسَةِ، وَإِنَّ الَّذِي يَبْقَى مِنْ جِنْسِهِ مِنْ الرُّطُوبَةِ، أَنَّهُ طَبْعُ حَيَوَانٍ ضَعِيفٍ مَيِّتٍ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ احْتِجَاجٌ يَطُولُ شَرْحُهُ.
وَلَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ مُلُوكِهِمْ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ جَوَاهِرٌ فَاخْتَارَ أَنْفَسَ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ جَعَلَهَا إِلَى جَانِبِهِ وَكَانَ فِي دَارِهِ طَيْرٌ فَغَافَلَهُ ذَلِكَ الطَّيْرُ وَالْتَقَفَ الْجَوْهَرَةَ بِمِنْقَارِهِ وَبَلَعَهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَنْفُسِ الْجَوَاهِرِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَتَمَهُ عَنْ الْخَازِنِ وَأَمَرَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِالطَّائِرِ، فَجُعِلَ فِي بَيْتٍ وَقُفِلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي فِكْرِهِ فَأَمَرَ بِفَتْحِ الْبَابِ وَخَرَجَ الطَّائِرُ وَجَعَلَ يَلُوذُ بِالمَلِكُ وَيَضَعُ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعُ عَيْنَيْهِ إِلَيْهِ وَيُظْهِرُ الذُّلُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَمَرَ المَلِكُ أَنْ يُرَدَّ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَأَنْ يَتْرُكَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دَوَرَانِهِ فِي الدَّارِ فَجَمَعَ المَلِكُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ ضَيَاعُ الْجَوْهَرَةِ وَفَقْدُ الطَّائِرِ،




