وَلَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ إِرَادَتِهِمْ إِلَّا لِطَلَبِ اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَالْمَكَارِمِ وَالْمَحَامِدِ وَكَانُوا إِذَا انْقَضَى عَلَى أَحَدِهِمْ آخِرُ نَهَارِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ حَسَنَةً وَلَا أَتَى عَمَلاً صَالِحاً وَلَا صَنَعَ مَكْرُمَةً يَعُدُّهُ يَوْمُ مُصِيبَةٍ وَخَسَارَةٍ، وَيَقُولُ: الْيَوْمَ قَدْ انْقَضَى عَنِّي وَمَا رَبِحَتْ لِي مِنْهُ تِجَارَةً وَلَا كَثُرَتْ لِي بِضَاعَةٌ، وَذَكَرُوا أَنَّ الدُّنْيَا دِهْلِيزٌ فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا أَعْمَى كَانَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُ سَبِيلًا وَلَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمْ فِي المَلِكُ، وَلَا رَغْبَتِهِمْ فِي طَلَبِ الْعُلُوِّ وَلَا لِرِفْعَةٍ وَلَا لِمُتَاجَرَةٍ وَلَا لِمُكَاثَرَةٍ وَلَا لِسُرُورٍ وَلَا لِلَّذَّةٍ وَإِنَّمَا أَكْثَرُ غَرَضِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ طَلَبُ السِّيَاسَةِ لِلْعَالَمِ وَلِتَدْبِيرِهِمْ وَلِعِمَارَةِ الدَّارِ وَلْيَقْمَعُوا كُلَّ فَاجِرٍ غَاشِمٍ وَلِيُقِيمُوا الْحَقَّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَمْنَعُوا الظَّالِمِينَ مِنْ ظُلْمِهِمْ وَلِيُنَزِلُوا الْعُلَمَاءَ وَالْحُكَمَاءَ وَالْفُضَلَاءَ مَنَازِلَهُمْ وَلْيُعَظِّمُوا شَأْنَهُمْ حَسَبَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ وَلْيُمَيِّزُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جُهَّالِهِمْ وَلْيَجْعَلُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْقِعًا وَلَقَدْ كَانُوا يَعْدِلُونَ بَيْنَ النَّاسِ وَيُنْصِفُونَهُمْ وَيَحْفَظُونَهُمْ وَيَذُبُّونَ عَنْهُمْ وَيُمْنَعُونَ مِنْهُمْ وَيَجِبُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصْرِفُوا مَا يَجبُونَهُ مِنْ أَمْوَالٍ عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَضُعَفَائِهِمْ وَمَنْ قَلَّتْ حِيلَتَهُ وَبَانَتْ مَسْكَنَتُهُ وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ.
وَلَقَدْ ذَكَرُوا عَنْ مُلُوكِهِمْ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ يَسْتَمِيحُ النَّاسَ وَيُظْهِرَ لَهُمْ الْفَقْرَ وَسُوءُ الْحَالِ وَيَشْكُو حَالَهُ بِالْبُكَاءِ وَالذِّلَّةِ، فَكَشَفَ عَنْ حَالِهِ فَوُجِدَ عِنْدَهُ مَا يَقُومُ بِهِ وَيُغْنِيهِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَجْحَدَ نِعَمَ الله وَتُخْفِيَهَا وَتُظْهِرَ الْفَقْرَ؟




