وَهَذِهِ مِنْ أَكْثَرِ الْآيَاتِ وَأَوْضَحِ الدَّلَالَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَقْلِّبَ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَلْحَاظَ غَيْرُ قَدِيمِ الزَّمَانِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَنْ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ تَدَبَّرْنَا مَا رَأَيْنَاهُ وَعَايَنَّاهُ وَجَدْنَاهُ قُدْرَةً لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ الْعَلِيِّ الْحَكِيمِ وَالْأَوَّلُ الْقَدِيمِ وَأَيْضًا قَدْ عَاهَدْنَاهُ وَعَقَدْنَا امْرَنَا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ وَعَهْدٍ شَدِيدٍ وَكَيدٍ وَعَقْدٍ وَثِيقٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُلُوكِ أَنْ يَنْقُضُوا عَهْدًا عَاهَدُوهُ وَأَنْ يَحِلُّوا عَقْدًا عَقَدُوهُ، وَقَدْ وَفِيَ لَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِمَا عَاهَدْنَاهُ وَلَا يَجُوزُ فِي حُكْمِ الْمُلُوكِ أَنْ يَنْقُضَ المَلِكُ عَهْدَهُ فَسَكَتَ المَلِكُ وَأَطْرَقَ.
حَرْقُ المُوَحِّدِينَ
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ شَيْطَانُ الْقَوْمِ وَقَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّ قَدِيمَ الْأَيَّامِ وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَمْ يَكُنْ أَجْرَى عِبَادَتَهُ فِي ظُهُورَاتِهِ لِمَنْ تَقَدَّمْنَا إِلَّا مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ وَإِنْ نَحْنُ أَطَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ وَصَبَوْنَا إِلَيْهِ وَاتَّبَعْنَا سُنَّتَهُ وَعَمِلْنَا بِشَرِيعَتِهِ لَسْنَا نَأْمَنُ الْعِقَابَ وَقُبْحَ الْمَآبِ مِنْ قَدِيمِ الْأَيَّامِ، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ هُوَ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَأَعْوَانِهِ وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ النَّارَ لا تُحْرِقُ وَالْإِحْرَاقُ مِنْ الْقَادِرِ، فَلْيَأْمُرِ المَلِكُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَعَلَى نُظَرَائِهِ مِمَّنْ اتَّبَعَهُ وَيَأْمُرُ بِحَرْقِهِمْ لِيَنْظُرَ حَقِيقَةَ مَا قَالُوهُ، فَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ إِذْ جَاءَهُمْ الْغُلَامُ وَلَدُ مَلِكِ الْهِنْدِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ لِلْأَزَلِ الْقَدِيمِ.




