مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْجَوْهَرَةُ الطَّالَقَانِيَّةُ - مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّرَابُلْسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 25 من 299

فَإِنِّي فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي ضَيْعَةٍ مِنْ ضَيَاعِي مُنْفَرِدٌ وَحْدِي إِذْ خَطَرَ بِبَالِي ذَكَرَهُ فَبَكَيْتُ وَانْتَحَبتُ وَسَأَلْتُ الله جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَنْ لَا يَقَرِّبَ نُقْلَتِي إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَوَالله مَا اسْتَوْفَيْتُ مِنْ دُعَائِي إِلَّا وَهُوَ قَدْ دَخَلَ عَلَيّ مِنْ الْبَابِ فَوَقَعَتُ لِوَجْهِي مَغْشِيًّا عَلَيَّ، وَلَمْ أَفِقْ مِنْ غَشْوَتِي إِلَّا وَرَأْسِي فِي حِجْرِهِ وَهُوَ يُقَبِّلُ عَيْنِي وَيَشْكُرُ الله وَيَحْمَدُهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ قُرْبِ اجْتِمَاعِهِ مَعِي، فَفَتَحْتُ عَيْنِيَ فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ قَدْ بَلَّلَتْ لِحْيَتَهُ وَهُوَ يَبْكِي.

فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي إِنَّ عِنْدِي مِنْ الشَّوْقِ أَضْعَافَ مَا عِنْدَكَ وَمُتَأَسِّفٌ عَلَى مُفَارَقَتِكَ وَأَكْثَرْتُ الشُّكْرَ عَلَى مَا مَنَحَنِي الله مِنْ الِاجْتِمَاعِ مَعَكَ، فَلَهُ الْحَمْدُ ثُمَّ الشُّكْرُ، وَجَلَسَ وَجَلَسْتَ، وَتَحَادَثْنَا طَوِيلًا وَأَنْفَذْتُ أُعْلِمُ أَوْلَادَهُ وَإِخْوَانَهُ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا وَجَاءَ، فَوَالله مَا جَاءَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِهِ لِيُسَلّمَ عَلَيْهِ إِلَّا وَقَامَ وَتَلَقَّاهُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَقَعُ عَيْنَاهُ عَلَيْهِ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَتَرَشَّفَهُ تَرَشُّفَ الْمُشْتَاقِ الْهَائِمِ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِهِ ثُمَّ قُمْنَا فَدَخَلْنَا دَارَهُ وَأَوْلَادَهُ مَعَهُ فَلَمَّا هَمُّوا بِوَدَاعِهِ لِيَنْصَرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى دَارِهِ.

قَالَ لَهُمْ: اُغْدُوا عَلَيّ بَاكِرًا وَعَادَ إِلَى دَارِهِ، وَحَضَرْتُ مَعَهُمْ فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: لِيُحَدِّثْنِي كُلُّ وَاحِدٍ بِحَدِيثِهِ وَيُعَرِّفْنِي كَيْفَ كَانَ تَدْبِيرُهُ لِنَفْسِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَدِينِهِ وَلِيَبْدَأْ مِنْكُمُ الْكَبِيرُ.

الصفحة 25 من 299