فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَا لِي وَلِلتَّسَرِّي، مَا يُؤَثِرُ قَلْبِي غَيْرَ مُؤَانْسَتِكَ وَمُحَادَثَتِكَ ثُمَّ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَأَقَمْتُ أَيَّامًا يَسِيرَةً، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِالْقَاضِي وَالشُّيُوخِ فَقَسَمَ النِّعْمَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَوْلَادِهِ وَأَخْرَجَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ وَذَخَائِرَ فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا وَقَالَ: اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ عَنْكَ وَأَخْفَيْتُهُ وَسَتَرْتُهُ غَيْرَ بِنْتٍ لِي هِيَ أُخْتٌ لِهَؤُلَاءِ الصِّبْيَانِ وَقَدْ امْتَنَعَتَ أَنْ تَتَسَرَّى وَلَنْ أَدَّخِرَهَا عَنْكَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ أُحْضِرَهَا إِلَيْكَ لِتَرَاهَا فَإِنْ اخْتَرْتَ الزَّوَاجَ زَوَّجْتُكَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ ذَلِكَ جَعَلْتُ أَمْرَهَا إِلَيْكَ لِتُزَوِّجَهَا أَنْتَ لِمَنْ أَحْبَبْتَ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ إِخْوَانِكَ، فَلِي سَفَرٌ وَأَظُنُّهُ بَعِيدٌ وَعَسَى أَنْ يَطُولَ ولا تَرَانِي.
فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا الزَّوَاجُ فَإِنِّي أَخْتَارُ مَا تَخْتَارُهُ لِي فَأَرَادَ أَنْ يَحْضِرَهَا لِيُرِيَنِي إِيَّاهَا فامتنعتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَوِّجْنِي بِهَا وسَلِّمْني نِعْمَتَهَا ودَخَلْتُ بِهَا فَأقَامَ أَيَّامًا يَسِيرَةً ثُمَّ كَتَبَ لِي وَصِيَّةً وَوَدَّعَنَا وَسَارَ رَاجِلًا بِلَا غُلَامٍ وَلَا مَرْكُوبٍ وَلَا مَالٍ فَأَقَمْنَا ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا نَسْمَعُ لَهُ خَبَرًا، وَلَا نَقْعُ لَهُ عَلَى أَثَرٍ حَتَّى يَئِسَّنَا مِنْهُ، وَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهُ نُقَلَ، فَوَالله لَقَدْ تَنَغَّصتْ عَلَيّ حَيَاتِي وَتَكَدَّرْتْ عَلَيّ، وَمَا عَلِمْتُ أَنِّي تَلَذَّذْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا نِلْتُهُ مِنْ نِعْمَتِهِ، وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ مَعِي أَنْظُرُ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ وَأَبْكِي وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ أُخْرِجَ خُمْسَ مَالَهُ وَأُنْفِقَهُ عَلَى إِخْوَانِي، وَكَانَ رَسَمَ لِي أَنْ لَا أُحَاسِبَ عَامِلًا مِنْ الْعُمَّالِ وَلَا أُقْبِلَ إِلَيْهِمْ فِي حِسَابٍ، وَلَا أَرُدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ كَلَامًا، وَلَا أُشْرِفَ عَلَى قِسْمَةٍ، وَلَا أُطَالِبَ بِحِسَابٍ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ وَامْتَثَلْتُ مَا رَسَمَهُ وَأَوْصَانِيهُ،




