فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَسَارَ وَسَلَّمَنِي وَالِدِي المَلِكُ فَجَلَسْتُ فِي سَرِيرِ المَلِكُ وَجَعَلَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِي، وَأَقَمْتُ عَلَى هَذَا مُدَّةً طَوِيلَةً وَلَمْ يَبْقَ رسولٌ إِلَى سَائِرِ الْمُلُوكِ إِلَّا جَاءَنِي وَعَرَّفَنِي مَا رَآهُ وَشَاهَدَهُ غَيْرَ الرَّسُولِ الَّذِي أَنْفَذْتُهُ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيَّ خَبَرُهُ حَتَّى خِفْتُ عَلَيْهِ وَلَمَّا يَئِسْتُ مِنْهُ جَاءَنِي فَسُرِرْتُ بِقُدُومِهِ وَعَرَّفَنِي مَا رَآهُ وَشَاهَدَهُ وَجَلَسْتُ أَسْمَعُ مَا يَقُولُهُ عَمَّا شَاهَدَهُ، فَابْتَدَأَ حَدِيثَهُ بِأَنْ قَالَ لِي: إِنَّ مُلُوكَ الْمُسْلِمِينَ يَخْتَلِفُونَ وَأَئِمَّتُهُمْ مُتَبَايِنُونَ، وَالمَلِكُ وَأَتْبَاعُهُ خَائِفُونَ كَأَنَّهُمْ فِي سِبَاقٍ مُنْذُ ابْتَدَأَ بَعْثُ الرَّسُولِ إِلَى حِينِ غَيْبَتِهِ وَذَكَرَ مَنْ وَلِّيَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيَّرَ سُنَّتَهُ وَبَدَلَ شَرِيعَتَهُ، وَذَكَرَ لِي أَهْلَ الْحَقِّ مِنْهُمْ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، إِمَامًا إِمَامًا إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى ذِكْرِ عَلِيٍّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ عَزَّ عِزُّهُ، وَذَكَرَ مَا جَرَى مَعَ الْمُتَوَكِّلِ، وَذَكَرَ قَتْلَ الْمُنْتَصِرِ لِأَبِيهِ الْمُتَوَكِّلِ، وَذَكَرَ ظُهُورَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَئِمَّةِ الْهُدَى مَا لَوْ ذَكَرْتُهُ لَطَالَ بِهِ الشَّرْحُ وَمَا امْتَنَعْتُ مِنْ ذِكْرِ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ إِلَّا لِعِلْمِي أَنَّ عِنْدَكُمَا مِنْهُ عِلْمًا وَطَرَفًا وَقَدْ أَشْجَانِي مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَلَاحَتْ لِي الْمَعْرِفَةُ الَّتِي يُرْجَى مِنْهَا النَّجَاةُ وَأَخَذْتُهُ إِلَيَّ وَجَعَلْتُهُ أَخَصَّ أَصْحَابِي وَمِمَّنْ أَرْكَنُ إِلَى قَوْلِهِ، فَأَقَامَ عِنْدِي مُدَّةً طَوِيلَةً لَا أَخْلُو مِنْ فَائِدَةٍ أَسْتَفِيدُهَا مِنْهُ، وَتَعَلَّمْتُ مِنْهُ الْقُرْآنَ وَعَرَفْتُ مِنْهُ التَّنْزِيلَ وَالتَّأْوِيلَ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَرَوَّانِيَ الْأَخْبَارَ وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَعْلَمُهُ إِلَّا وَعَرَفَنِي إِيَّاهُ وَأَظْهَرَنِي عَلَيْهِ، وَبَيْنَمَا كُنَّا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ جَالِسِينَ لِلْمُذَاكَرَةِ، وَوَالِدِي حَاضِرٌ مَعَنَا، إِذْ جَاءَنَا الْمُتَوَكِّلُ بِخِدْمَةِ بَيْتِ الْحِكْمَةِ وَالْمُشَاهِدِ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ مُسْرِعًا حَافِيًا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، فَلَمَّا رَآهُ وَالِدِي قَالَ لَهُ: وَيْلَكَ مَا الَّذِي نَزَلَ بِكَ؟




