وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ مِنْهُ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْجَوَادِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُكَافَآتِ لَهُ عَلَى إِنْعَامِهِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ الْبَارَئُ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّكْلِيفِ لِمَنْ ابْتَدَأَهُ بِالْإِحْسَانِ، وَلَكِنَّ الْمُحْسَنَ إِلَيْهِ سَأَلَ التَّكْلِيفَ وَفِي الْحَالِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ وَآيَاتٌ مِنْ الْكِتَابِ تَدُلُّ عَلَى الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ إِذَا فَرَّطْتُمَا فِيهِ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُمَاهَا أَنَّهَا نَكِرَةٌ وَسُوءُ ظَنٍّ بِالله وَإِنِّي أُجِلُّكُمَا أَنْ تَظُنَّا بِالله غَيْرَ الْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمَا زُهْدًا يَزْهَدُ الْعَاقِلُ فِيهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مِنْ أَخْبَارِ الْمَوْتِ، قَالَ سَيِّدِي: وَكَيْفَ ذَلِكَ أَيُّهَا المَلِكُ؟ قَالَ المَلِكُ: إِنَّ الْمَوْتَ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَالْمَوْتُ الطَّبِيعِيُّ هُوَ مُفَارَقَةُ النَّفْسِ لِلْجِسْمِ، وَالْمَوْتُ الْعَرَضِيُّ هُوَ الْجَهْلُ وَالنَّوْمُ، وَالْمَوْتُ الِاخْتِيَارِيُّ وَهُوَ أَنْ تُمْنَعَ النَّفْسُ مِنْ زَلَّاتِهَا وَيُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ شَهْوَتِهَا مَا لَمْ تَطْلُبَ مِنْكَ شَهْوَةً تَخْرُجُ فِيهَا عَنْ الْوَاجِبِ، وَقَدْ بَلَغَ مِنِّي امْتِنَاعَكُمَا مِنْ حَالٍ جَمِيلٍ بَذَلْتُهُ لَكُمَا وَمَنَحْتُكُمَا إِيَّاهُ وَأَرَدْتُ بِذَلِكَ الزُّلْفَى مِنَ الله وَأَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ وَأَنْ أُؤَدِّيَ فَرْضًا فَرَضَهُ الله عَلَيَّ، وَأَيْضًا فَنَفْسِي تَطْلُبُ الْبُلُوغَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْوُصُولَ إِلَى مَعَالِي الْأُمُورَ، وَمِنْ طَبْعَيَ السَّخَاءُ وَالْكَرَمُ وَمَتَى لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقْبَلُ الْجُودَ وَالْكَرَمَ وَالْإِحْسَانَ فَلَا وُجُودَ لِلْكَرَمِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي أَنْتُمَا عَلَيْهَا قَدْ اخْتَرَتُ لَكُمَا أَنْ تَغَيّرَاهَا وَتَسَلُكَا مَعِي مَسْلَكَ الْإِخْوَانِ الْمُتَصَادِقِينَ الْمُتَوَدِّدِينَ، وَإِنَّكُمَا مَتَى خَالَفْتُمَانِي فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ مِنْكُمَا أَتَقَرَّبُ إِلَى الله بِهِ فَلَا عِصْمَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمَا وَلَا أُخُوَّةَ إِلَّا بِطَاعَةِ الْأَخِ أَخَاهُ مَا لَمْ تُخْرِجْهُ طَاعَتُهُ عَنْ طَاعَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ.




