فَأمَا أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ فَإِنَّهُ أَعَدَّ الْعُدَّةَ مِنْ الزَّادِ وَاسْتَخَارَ الدَّلِيلَ وَاسْتَوْطَأَ الرَّاحِلَةَ وَأَنْفَذَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَيَسِيِّرُ إِلَيْهِ الْعُدَّةَ وَاسْتَكْثَرَ مِنَ الْقُوتِ وَأَمَرَ بِأَنْ تُبْنَى لَهُ الدُّورَ وَأَنْ تُشَّيدَ لَهُ الْقُصُورُ وَأَنْ تَجْرِيَ الْمِيَاهُ فِي قُصُورِهِ، وَالْأَنْهَارُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَأَنْ يُنْصَبَ لَهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَشْجَارِ، وَلَمَّا أَمَرَ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَارَ إِلَيْهِ فَوَجَدَ مَا أُعِدَّ لَهُ حَاضِرًا وَانْتَفَعَ بِمَا قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّهُ اغْتَرَّ بِالْأَمَانَةِ وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْمُحَالِ وَلَمْ يَكُنْ لِمَا قِيلَ لَهُ بَالٌ، وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي عَاقِبَةٍ وَلَا نَظَرَ فِي آخِرَةٍ فَلَمَّا أُمِرَ بِالْمَسِيرِ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ وَبَقِيَ حَائِرًا لَا يَعْرِفُ أَيَّ طَرِيقٍ يَسْلُكُ وَلَا إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ يَقْصِدُ، يَمْشِي فِي ظُلُمَاتٍ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا فَهَذَا دَلِيلٌ يُبَيِّنُ الْعَاقِلَ مِنْ الْجَاهِلِ.
قَالَ المَلِكُ: كَمْ افْتَرَضَ الله عَلَيْكُمْ مِنْ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ سَيِّدِي: خَمْسُ صَلَوَاتٍ، قَالَ المَلِكُ: فَأَوَّلُهَا مَا هِيَ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ الْأُولَى، قَالَ المَلِكُ: مَا مَعْنَى الْأُولَى؟ قَالَ سَيِّدِي: لِأَنَّهَا أَوَّلُ ظُهُورِهِ سُمِّيَتْ بِالظُّهْرِ، قَالَ المَلِكُ: فَأَوَّلُ الظُّهُورَاتِ مَا هُوَ؟ قَالَ سَيِّدِي: هُوَ الْمَعْنَى، قَالَ المَلِكُ: وَلِأَيِّ ظُهُورٍ صُلِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ قَالَ سَيِّدِي: لِظُهُورِ الِاسْمِ ثُمَّ يَتْبَعُهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ظُهُورُ فَاطِرٍ ثُمَّ صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْآخَرِ وَهُوَ ظُهُورُ الْحَسَنِ، ثُمَّ صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَهُوَ ظُهُورُ الْحُسَيْنِ، قَالَ المَلِكُ: وَصَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ لَهُ: ظُهُورُ مُحْسِنٍ وَهُوَ الشَّخْصُ الْخَفِيُّ، وَإِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نُخْفِيَ صَلَاةَ اللَّيْلِ لِتَحَقُّقِ شَخْصِهِ، قَالَ المَلِكُ: فَعَلَى أَيِّ مَعْنًى تُصَلُّونَ صَلَاةَ اللَّيْلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَتُظْهِرُونَ الْخَوْفَ وَالْجَزَعَ وَتَشْتَرُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتَبِيعُونَهَا وَتَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمُ اللَّذَّةَ الَّتِي أُحِلَّتْ لَكُمْ، أَتَرْجُونَ بِذَلِكَ الثَّوَابِ مِنْ عِنْدِ الله أَمْ تَخَافُونَ عِقَابَهُ؟ قَالَ سَيِّدِي: إِنَّا نَرْجُو بِذَلِكَ ثَوَابَهُ وَنَخْشَى عِقَابَهُ.




