قَالَ المَلِكُ: إِنَّ الَّذِي رَأَيْتُهُ مِنْكُمَا مِنْ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ وَالزُّهْدِ هُوَ عَلَى خِلَافِ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَخْبَارِكُمَا وَمَنْ يَعْتَقِدُ اعْتِقَادَكُمَا وَمِمَّنْ يَدِينُ الله بِدِينِكُمَا؟ قَالَ سَيِّدِي: وَكَيْفَ ذَلِكَ أَيُّهَا المَلِكُ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الِارْتِفَاعِ لَا يُصَلُّونَ وَيَقُولُونَ بِزَعْمِهِمْ إِنَّ الصَّلَاةَ تَكْلِيفٌ وَإِنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْمُؤْمِنِ الْعَارِفِ فَأَنْكَرَتُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُكُمَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَسَمِعْتُ أَيْضًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ لَا يُزَكُّونَ وَيَقُولُونَ بِزَعْمِهِمْ إِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ وَإِنَّهَا سَاقِطَةٌ عَنْ الْمَالِ، وَيَقُولُونَ بِزَعْمِهِمْ إِنَّ الصَّوْمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمْ وَإِنَّ الْإِفْطَارَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَمُفْتَرَضٌ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْعَامَّةِ فِي صَوْمِهِمْ، كَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَجَمِيعِ الْمُفْتَرَضَاتِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الزِّنَا وَيَتَأَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَالٌ.
قَالَ لَهُ سَيِّدِي: إِنِّي إِذَا شَرَحْتُ لِلْمَلِكِ أَطَالَ الله بَقَاهُ الْفُصُولَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ يَسْتَحِلُّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي ذَكَرَهَا أَطَلْتُ، غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا لِلْعَاقِلِ وَالْجَاهِلِ وَأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعْطِي مَعْرِفَتَهُ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ وَأَنَّهُ لَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَعْرِفَةِ رَجُلٌ جَاهِلٌ وَلَنْ يُعْبَدَ الله إِلَّا بِالْعَقْلِ وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا دِينَ لَهُ، قَالَ المَلِكُ: فَبِمَاذَا يُعْرَفُ الْعَاقِلُ؟ قَالَ لَهُ سَيِّدِي إِنَّنَا رُوِّيْنَا




