فَقَالَتْ لِيَ الْجَارِيَةُ: قَدْ أَصَبْتَ الرَّأْيَ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ، فَأَخَذْتُ الْجَوْهَرَةَ فَدَفَنْتُهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ الدَّارِ وَأَخَذْتُ الْحُقُّ فَعَرَضْتُهُ لِلْبَيْعِ فَأَخَذَهُ مِنِّي الدَّلَّالُ وَمَضَى إِلَى السُّلْطَانِ وَعَرَضَهُ عَلَيْهِ وَأَرَادَ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: هَذَا حُقٌّ دَفْعَهُ إِلَىَّ رَجُلٌ ضَعِيفٌ وَلَسْتُ أَشُكُّ أَنَّهُ وَجَدَهُ أَوْ سَرَقَهُ وَأَنْتَ أَوْلَى بِهِ وَالرَّجُلُ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيَّ يَغْلُو فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَرَ الْأَمِيرُ بِإِحْضَارِي فَأُحْضَرْتُ وَسَأَلَنِي عَنْ الْحُقِّ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي وَجَدْتُهُ فِي دَارِي وَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ وَمَا ذَكَرْتُ أَمْرَ الْجَوْهَرَةِ فَأَنْفَذَ مَعِي مِنْ شَاهِدِ الْمَوْضِعِ، وَأَخْرَجْتُ الْبَرْنِيَّةَ فَلَمَّا رَآهَا تَحَقَّقَ مَا قَالَهُ الدَّلَّالُ فَطَالَبَنِي بِمِلْئِهَا، وَضَرَبَنِي الضَّرْبَ الْوَجِيعَ فَلَمْ أَعْتَرِفْ لَهُ بِشَيْءٍ، فَحِينَئِذٍ حَبَسَنِي وَأَوْثَقَنِي، فَبَقِيَتُ نَهَارِي لَمْ أَنَلْ طَعَامًا فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْمَسَاءِ جَاءَتْنِي الْجَارِيَةُ وَمَعَهَا شَيْءٌ يُؤْكَلُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيَّ وَقَالَتْ لِي: جَاءَنِي رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ فَدَفَعَ لِي هَذَا الطَّعَامَ وَقَالَ لِي: انْطَلِقِي بِهِ إِلَى مَوْلَاكِ وَإِنْ سَأَلَكِ مَنْ دَفَعَ ذَلِكَ فَقُولِي لَهُ أَخٌ مِنْ إِخْوَانِكَ وَقَدْ أَخَذْتُ مَا يُقِيتُنِي فَأَقَمْتُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ سُنَّةً يَجِيئَنِي مَا أَقْتَاتُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ جَاءَتْنِي الْجَارِيَةُ وَقَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهَا وَلَوْنُهَا وَهِيَ مُدْنَفَهٌ(1) فَقَالَتْ: يَا مَوْلَايَ قَدْ شَعَرْتُ بِالْمَوْتِ وَمَا صَدَّقْتُ أَنِّي أَصِلُ إِلَيْكَ وَأَرَاكَ وَأَنَا رَاجِعَةٌ وَمَا أَظُنُّ أَنَّكَ تَرَانِي بَعْدَهَا، وَدَفَعَتْ إِلَيَّ الطَّعَامَ ثُمَّ انْصَرَفْتَ فَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ،
1معناه: الشخص الذي انهكه المرض




