وَلَوْ ذَهَبَتُ إِلَى ذِكْرِ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّهِنَّ لَطَالَ الشَّرْحُ، قَالَ لَهُ وَالِدِي: يَكْفِي بَعْضَ مَا ذَكَرْتَهُ وَقَدْ اخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ فِي جُمْلَتِكَ وَالسَّفَرِ مَعَكَ، فَقَالَ لَهُ الْجَوْهَرِيُّ: إِذْ قَدْ اخْتَرْتَ ذَلِكَ فَلَا تَدَعْ لَكَ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِكَ، فَبَاعَ وَالِدِي مَا كَانَ لَهُ مِنْ آلَةِ الْعِطْرِ وَالْعَقَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَنَا حِينَئِذٍ صَغِيرُ السِّنِّ أَخْدِمُهُمَا، فَلَمْ يَزَالَا فِي السَّفَرِ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَنِ ثُمَّ عَادَا إِلَى الْكُوفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَضَرَتْ وَالِدِي النَّقْلَةُ وَحِينَ آيَسَ مِنْ نَفْسِهِ اسْتَدْعَى الْجَوْهَرِيُّ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي هَذَا وَلَدِي، إِنْ أَنْتَ رَأَيْتَهُ قَدْ خَالَفَكَ فِي حَالٍ فَخَلِّ عَنْهُ وَلَا تَأْسَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، وَإِنْ رَأَيْتَهُ عِنْدَ طَاعَتِكَ مُتَمَسِّكًا بِآدَابِكَ وَغَيْرَ مُنْتَقِلٍ عَنْ خِدْمَتِكَ فَأَرْشِدْهُ إِلَى مَا يُنَجِّيهِ وَيُخَلِّصُهُ فَأَنْتَ أَوْلَى بِهِ لِمَا تَعْلَمُهُ مِنْ أَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَكَتَ وَجَادَ بِنَفْسِهِ وَفَارَقَ الْحَيَاةَ لِسَاعَتِهِ وَوَقْتِهِ ثُمَّ إِنَّ الْجَوْهَرِيَّ أَخَذَ بِتَجْهِيزِهِ وَمَضَى فَدَفَنَهُ وَرَجَعَ وَأَنَا مَعَهُ فَأَظْهَرَ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ وَتِجَارَتِهِ وَأَقَمْتُ أَسْتَعْمِلُ نَفْسِي فِي خِدْمَتِهِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَتِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِمَحَبَّتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ وَعَلِمَ أَنِّي نَائِمٌ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِذَا هُوَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَرَّةً وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَمُدُّ ذِرَاعَيْهِ وَيَبْسُطُ كَفَّيْهِ وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «يَا مَعْلَ الْعِلَلِ يَا مُؤَزِّلَ الْأَزَلِ، يَا مَنْ يُسْأَلُ وَلَا يَسْأَلُ، إِلَيْكَ الدُّعَاءُ وَالِابْتِهَالُ، وَأَنْتَ الرَّجَاءُ وَالْأَمَلُ، ثَبَتْنِي بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ»




