وَلَمَّا أُمِرَ بِالْمَسِيرِ خَرَجَ عَنْ بَلَدِهِ وَمَوْطِنِهِ بِغَيْرِ زَادِ وَبِغَيْرِ رَاحِلَةٍ وَغَيْرِ عُدَّةٍ يَتَعَثَّرُ فِي طَرِيقِهِ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ حَائِرًا فِي أَمْرِهِ نَادِمًا عَلَى تَفْرِيطِهِ حَيْثُ لَا تَنْفَعُهُ النَّدَامَةُ، بَاكِيًا عَلَى نَفْسِهِ يَخْتَارُ الْهَلَاكَ حَيْثُ تَتَلَاعَبُ بِهِ الْأَمْوَاجُ مُحْتَارًا عَنْ طَرِيقِ النَّجَاةِ فَهَلْ هَذَا الْمَثَلُ مِنْ سَبِيلِ الْعَاقِلِ أَمْ مِنْ سَبِيلِ الْجَاهِلِ؟ قَالَ الشَّابُّ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ وَقَدْ حَنَّ قَلْبِي لِأَمْثَالِكَ وَأَخْبَارِكَ وَانْجَلْتْ عَنِّي ظُلْمَةُ الْحِيرَةِ وَسُرَادِقُ الْهَوَى إِلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ وَدَلَّلَتْنِي عَلَى مَعْرِفَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ فَعَظَّمَ الله لَكَ، الثَّوَابَ وَالْأَجْرَ.
مَاهِّيَةُ عَمَلِ الحَواسِّ الخَمْسِ
قَالَ الشَّرِيفُ: إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ رَكَّبَ فِي الْإِنْسَانِ حَوَاسًا خَمْسًا وَجَعَلَ لِكُلِّ حَاسَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَوَاسِّ نَوْعًا مِنَ الْعِلْمِ يَصِلُ ذَلِكَ النَّوْعُ إِلَى الْقَلْبِ مَا يَنَالُهُ مِنْهُ مِنْ تِلْكَ الْعُلُومِ، وَيُوصِلُ الْقَلْبُ مَا يَنَالُهُ إِلَى الْعَقْلِ مِنْ الْعُلُومِ حَسَبَ قُوَّةِ الْقَلْبِ وَصَفَاءِ الذِّهْنِ وَجَوْهَرِيَّةِ الْعَقْلِ، بِلَا شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ وَالْأَجْسَامِ وَبِقُدْرَتِهِ يَصِلُ مَا يَرَاهُ النَّظَرُ مِنْ النَّوْعِ الْمُرْسَلِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالنَّظَرِ فَيَنَالُهُ بِقَلْبِهِ وَيُصِلُ الْقَلْبُ إِلَى الْعَقْلِ بِلُطْفِهِ وَجَوْهَرِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ عَلَى حَسَبِ صَفَائِهِ وَقُوَّتِهِ فَحِينَئِذٍ يُمَيِّزُ بِعَيْنِهِ الَّتِي يُنْظَرُ بِهَا وَبِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا قُدْرَةُ الْمَخْلُوقِ مِنْ قُدْرَةِ الْخَالِقِ، فَلَا يَقَعُ عَلَى غَلَطٍ مِنْ نَظَرِهِ وَلَا عَلَى خَطَأٍ مِنْ بَصِيرَتِهِ




