مَثَلٌ يُبَيِّنُ فِيهِ العَاقِلَ مِنَ الجَاهِلِ
وَإِنِّي لَأَضْرِبُ لَكَ فِي ذَلِكَ مَثَلًا يَبِيِّنُ فِيهِ الْعَاقِلُ الْعَارِفَ مِنْ الْجَاهِلِ النَّاقِصِ، فَتَأَمَّلْهُ وَتَدَبَّرْهُ، قَالَ الشَّابُّ: قُلْ يَا سَيِّدِي قَالَ الشَّرِيفُ: إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَلَدٍ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ مُقْتَدِرٌ أَنْكَرَ عَلَى الرَّجُلَيْنِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا يُقْسِمُ بِالله أَيْمَانًا أَنَّهُ مَخْرَجُهُمَا مِنَ الْبَلْدَةِ الَّتِي وُلِدَا فِيهَا إِلَى بَلْدَةٍ غَيْرِهَا وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعِدَّا هَيْئَةَ سَفَرِهِمَا، فَعَلِمَا أَنَّ الْأَمْرَ لَابُدَّ مِنْهُ وَلَابُدَّ مِنْ خُرُوجِهِمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مَجْبُورَانِ وَعَنْ مَوْضِعِهِمَا رَاحِلَانِ وَقَدْ أَمَرَهُمَا وَحَذَّرَهُمَا أَنْ لَا يَقْصُرَا فِيمَا أَمَرَهُمَا بِهِ وَأَنْ لَا يُسَافِرَا إِلَّا بِعِدَّةِ السَّفَرِ لِبُعْدِ الطَّرِيقِ وَصُعُوبَتِهَا، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا أَنْفَذَ وُكَلَاءَهُ وَأُمَنَاءَهُ إِلَى الْبَلْدَةِ الَّتِي هُمَا سَائِرَانِ إِلَيْهِمَا بِالْأَمْوَالِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَبْنُوا لَهُ الدُّورَ وَالْقُصُورَ وَأَنْ يَغْرِسُوا لَهُ فِيهَا الْأَشْجَارَ وَيُجْرُوا فِيهَا الْأَنْهَارَ وَيَعُدُّوا جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاء، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اخْتَارَ الدَّلِيلَ وَامْتَطَى الرَّاحِلَةَ وَأَكْثَرَ الزَّاد وَمَهَّدَ الْمِهَادَ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ وَسَارَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا مُنْعَّمًا إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ فَوَجَدَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَفْرُوغًا مِنْهُ فَابْتَهَجَ وَسُرَّ أَتَمَّ السُّرُورِ، وَالرَّجُلُ الْآخَرُ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَسِيرُ فَلَمْ يَحْفَلْ بِمَا قِيلَ لَهُ وَلَمْ يَهْتَمَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِهِ وَلَمْ يَخَفْ مِمَّا خُوِّفَ مِنْهُ وَأَهْمَلَ الْقَوْلَ وَبَاعَ الْكَثِيرَ بِالْقَلِيلِ وَاشْتَغَلَ بِمَا يَفْنَى وَتَرْكَ مَا يُدَّخَرُ وَيَبْقَى وَجَمْعَ الْأَمْوَالَ وَأَنْفَقَهَا فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ وَتَرَكَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّيهَا،




