قَالَ الشَّرِيفُ: فَإِذَا أَنْتَ سَكَنْتَهُ وَفِيهِ الشَّمْعُ وَالْبَخُورُ تَعْبُقُ بِأَبْوَابِهِ وَطَاقَاتِهِ أَلَسْتَ كُنْتَ تَسْمَحُ أَنْ يَجْتَنِيَ الرَّوَائِحَ الطَّيِّبَةَ مَنْ يَلِيكَ بِحَضْرَتِكَ وَأَنْ يَسْتَضِئَ بِأَنْوَارِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّرِيفُ: إِنِّي أَذْكُرُ لَكَ خَبَرًا وَأَضْرِبُ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ مَثَلًا، قَالَ: اروني يَا سَيِّدِي الْخَبَرَ وَاضْرِبْ لِي مِنْ فَضْلِكَ الْمَثَلَ، قَالَ لَهُ:
عَنْ مَوْلانَا جَعْفَرٍ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ: مَنْ كَانَ هَمُّهُ هَمَّاً وَاحِدٌ كَفَاهُ الله مَا هَمَّهُ وَلَمْ يُبَالِ أَيَّ وَادٍ سَلَكَ.
قَالَ الْغُلَامُ: وَالله إِنِّي لَأَجِدُ حَلَاوَةَ مَا تَقُولُهُ فِي قَلْبِي وَلَقَدْ تَبَيَّنْتُ صِدْقَ قَوْلِكَ وَمَوْعِظَتِكَ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ إِلَى عَسْكَرِي وَأُسْلِمَهُ جَمِيعَهُ إِلَى أَخِي وَأَتَخَلَّصُ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَأَجِيئُكُمْ عَلَى رَغْبَةٍ قَوِيَّةٍ وَنِيَّةٍ صَالِحَةٍ، فَهَلْ أَنَا مَقْبُولٌ إِذَا أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ الشَّرِيفُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾(1) الله يُوَفِّقُكَ لِلْخَيْرِ وَيَهْدِيكَ بِرَحْمَتِهِ إِلَيْهِ، فَوَثَبَ الْغُلَامُ إِلَى رِجْلَيْهِ فَقَبَّلَهَا وَتَرَكَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا وَوَدَّعَنَا وَخَرَجَ فَاسْتَدْعَى الْفَرَسَ وَسَارَ إِلَى عَسْكَرِهِ وأصحابهِ وأمَرَ بَعْضَ الغِلْمانِ بأن يَسبِقُوهُ إلى معسكرهِ فَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَسْتَقْبِلُهُ كَمَا كَانَ يُسْتَقْبَلُ بِهِ مِنْ الْمَلَاهِي، ودخل إلى عَسْكَرِهِ بالْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَدْعَى أَخَاهُ فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَالْعَسْكَرَ وَجَمِيعَ أَسْبَابِهِ وَأَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى أَبِيهِ وَأَمَرَ الْعَسْكَرَ بِطَاعَتِهِ وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَسَارَ رَاجِعًا إِلَيْنَا




