قَالَ الشَّيْخُ: رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمَعِدَةُ حَوْضُ الْبَدَنِ فَإِذَا وَقَعَ فِيهَا الْعِلْمُ أَصْدَرَتْهُ إِلَى الْجَوَارِحِ بِالْفَوَائِدِ وَالطُّرَفِ فَسَمَتِ الْهِمَّةُ إِلَى عَالَمِ المَلَكُوتِ فَمَنْ كَانَ مَطْعَمُهُ حَلَالًا وَهُوَ العِلْمُ الْبَاطِنُ النُّورِيُّ سَمَتْ هِمَّتُهُ إِلَى طَرِيقِ الْحِكْمَةِ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْغَالِبِ وَذُو الْعَطَاءِ وَالْمَوَاهِبِ.
وَلَمْ يُرِدْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ بِالْمَعِدَةِ غَيْرَ الْقَلْبِ، فَكَمَا أَنَّ الْمَعِدَةَ حَوْضُ الطَّعَامِ كَذَلِكَ الْقَلْبُ حَوْضُ الْعُلُومِ، وَكَمَا أَنَّ الْمَعِدَةَ إِذَا وَقَعَ فِيهَا الطَّعَامُ تَأْخُذُ صَفْوَهُ وَلُبَّهُ فَتُصْدِرُهُ إِلَى الْأَعْضَاءِ فَتُحْيِيهَا وَتَنَمِّيهَا وَتُنْعِشُهَا وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ الْبَاطِنُ النورِيُّ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صَدَرَ إِلَى النَّفْسِ النَّاطِقَةِ بِجَوْهَرِهِ وَلُبِّهِ فَأَحْيَاهَا وَهَذَّبَهَا وَجَوْهَرَهَا وَأَثَارَهَا وَأَشْعَلَهَا فَإِذَا قَوِيَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ قَوِيَتِ الْمَعْرِفَةُ وَحَسُنَتِ الْأَفْعَالُ وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ وَاسْتَمَدَّتْ مِنْ النُّورِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ، فَيَمُدُّ النُّورُ إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِنُورِ الله عَزَّ وَجَلَّ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا غَیرَ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، وَكُلَّمَا قَوِيَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ وَحَسُنَتْ الْأَفْعَالُ أَضَاءَتْ الْأَنْوَارُ وَرُفِعَتْ الْحُجبْ وَبَانَ لِلْمُؤْمِنِ الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ الرَّبَّانِيُّ، فَإِنْ دَعَا الله عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَحْجُبْ دَعْوَتَهُ، وَإِنْ نَطَقَ فَبِنُورِ الله يَنْطِقُ وَإِنْ مَشَى فَبِنُورِ الله يَمْشِي وَيَسْتَضِيءُ، وَإِنْ سَلَكَ بَرًّا أَوْ بَحْرًا أَوْ خَافَ أَمْرًا عَظِيمًا أَوْ رَامَ أَمْرًا كَبِيرًا فَنَوُرُ الله مَعَهُ يَحْفَظُهُ وَيُخَلِّصُهُ وَيُحِيطُهُ وَيُكْلَؤُهُ، وَإِنْ رَأَى وَحْشًا أَوْ سَبُعًا أَرْعَبَهُ وَرَاعَهُ، وَإِنْ رَآهُ سُلْطَانٌ أَجَلَّهُ وَرَفَعَهُ وَهَابَهُ، وَإِنْ رَآهُ حَاسِدٌ وَمُعَانِدٌ نَصَرَهُ الله عَلَيْهِ بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ، وَقَدْ سَمِعْتَ وَرُوِيِّتَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَشَدُّ اتِّصَالًا بِالله مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِالشَّمْسِ.




