مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْجَوْهَرَةُ الطَّالَقَانِيَّةُ - مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّرَابُلْسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 147 من 299

فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِنَا الْجُلُوسَ انْثَنَى الْغُلَامُ الَّذِي دَلَّنَا عَلَى الْوَادِي صَاحِبُ الْحَدِيقَةِ إِلَى الْفَتَى الَّذِي جَاءَ آخِرَ الْقَوْمِ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي إِنِّي شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنْكَ كَيْفَ صَبَرْتَ عَلَى الْوَحْدَةِ وَالْوَحْشَةِ؟ وَكَيْفَ تَجِدُ نَفْسَكَ إِنْ ذَكَرْتَ أَوْقَاتَ السُّرُورِ وَاللَّذَّةِ وَأَيَّامَ سُلْطَانِكَ وَقُدْرَتِكَ وَأَمْرِكَ وَنَهيِكَ وَصَيْدِكَ وَقَنْصِكَ وَقَصْفِكَ وَعِزُّكَ؟ قَالَ: فَبَكَى الْغُلَامُ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى خُضِّبَتْ لِحْيَتُهُ فَقَالَ الشَّيْخُ كَالْمُعَاتِبِ لَهُ: يَا بُنَيَّ مَا هَذَا الْجَزَعُ وَالْقَلَقُ الَّذِي ظَهَرَ مِنْكَ؟ وَمَا هَذَا الْبُكَاءُ؟ أَهُوَ أَسَفٌ عَلَى مَا تَرَكْتَهُ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا وَمَذَاقِ اللهوِ؟ فَطِيبُ الدُّنْيَا وَتَعْجِيلُ حَلَاوَتِهَا لَيْسَ يَعْقُبُهُ غَيْرُ الْمَرَارَةِ وَالْخَسَارَةِ وَالنَّدَامَةِ وَقَبِيحُ الْعَاقِبَةِ، قَالَ الْفَتَى: قَدْ عَلِمَ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنِّي لَمْ أَبْكِ عَلَى نِعْمَةٍ تَرَكْتُهَا وَلَا عَلَى لَذَّةٍ عَدِمْتُهَا وَلَا عَلَى حَالٍ فَقَدْتُهُ، وَكَيْفَ أَبْكِي عَلَى لَذَّةٍ تَزُولُ وَنِعْمَةٍ لَا تَدُومُ، وَكَيْفَ يَسْتَوْحِشُ مِنْ فِكْرِهُ أَنِيسُهُ وَذِكْرْهُ جَلِيسُهُ وَإِنَّمَا أَبْكَانِي سِنُونَ قَضَيْتُها مِنْ عُمْرِي وَأَيَّاماً مَضَتْ عَنِّي بِجَهَالَةٍ وَبَطَالَةٍ وَسِرْتُ وَمَا عَرَفْتُ فِيهَا وَلِيًّا الله فَوَالَيْتُهُ وَلَا عَدُوًّا فَعَادِيتُهُ وَلَا اكْتَسَبْتُ فِيهَا ثَوَابًا وَلَا خِفْتُ فِيهَا عِقَابًا قَالَ لَهُ الشَّيْخُ: يَا بُنَيَّ إِنَّ مِنْ شَأْنِ النَّفْسِ الشَّرِيفَةِ الطَّاهِرَةِ الْفَاضِلَةِ أَنَّهَا تَتَرَفَّعُ عَنْ الْقَبَائِحِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَتَرَى لَهَا لَذَّةً وَسُرُورًا بِطَهَارَتِهَا وَفَضْلِهَا وَشَرَفِهَا وَمَنْزِلَتِهَا وَقَدْرِهَا، فَإِذَا عَايَنَتْ كُلِّيَّتَهَا اشْتَاقَتْ إِلَى رُوحَانِيِّتِهَا وَالرُّجُوعِ إِلَى نُورَانِيَّتِهَا وَالِاتِّحَادِ بِمَعْدِنِهَا وَلَا يُخِيفُهَا مِنْ ذَلِكَ مُفَارَقَةُ الدُّنْيَا وَسُرُورُهَا، وَمِنْ شَأْنِ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ الْمُظْلِمَةِ الْكُدْرَةِ الْوَحِشَةِ النَّجِسَةِ أَنَّهَا لَا تَرْتَدِعُ عَنْ قَبَائِحَ تَفْعَلُهَا وَلَا عَنْ فَوَاحِشَ تَرْتَكِبُهَا،

الصفحة 147 من 299