وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تُجِيبَنِي بِهَذَا الْجَوَابِ إِذَا أَنَا قُلْتُ لَكَ: مَا هُوَ؟ فَتَقُولُ لِي: غَيْبٌ، أَمَّا سُؤَالِي فَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ أَنْ تَقُولَ لِي: «مَنْ هُوَ» بِاسْمِ التَّعْرِيفِ لَا بِإِسْمِ الْإِخْبَارِ، وَقَدْ سَمِعْتَ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(1) فَتَأَمَّلْ يَا بُنَيَّ هَذَا الْكَلَامَ وَتَدَبِّرْهُ بِعَقْلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ هَمَّ بِالْقِيَامِ فَقُلْتُ لَهُ: نَشَدْتُكَ الله إِلَّا أَرْشَدْتَنِي إِلَى مَعْرِفَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: إِذَا آنَسْتُ مِنْكَ رُشْدًا أَرْشَدْتُكَ فَقُلْتُ لَهُ: ائْذَنْ لِي أَنْ لَا أُفَارِقَ حَضَرَتَكَ وَأَنْ أَسْتَعْمِلَ نَفْسِي لَخَدْمَتِكَ قَالَ: يَا بُنَيَّ وَأَيُّ حَضْرَةٍ لِي، وَأَيُّ خِدْمَةٍ تَخْدِمُنِي وَالْحَالُ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنِّي لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ إِلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ لِأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِرَكَ وَأَمْتَحِنَكَ وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ قَدْ كَبَّرَ سِنِّي وَقَرُبْتُ نُقْلَتِي فَقُلْتُ لَهُ: أَرْشِدْنِي إِلَى سَبِيلِ رُشْدِي؟ فَقَالَ لِي: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ غَيْرَ أَنِّي أَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا فَاسْتَمِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ يَا سَيِّدِي فَقَالَ: أُخْبِرُكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ طُولِ الزَّمَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَكَانَ لَهُ أَخٌ صَالِحٌ وَإِنَّهُ جَاءَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَوَجَدَهُ حَزِينًا كَئِيبًا فَقَالَ لَهُ: لِمَ هَذَا الْحُزْنُ الَّذِي أَرَاهُ مِنْكَ قَالَ: خَوْفًا عَلَى ذِكْرِي أَنْ أَمُوتَ فأنْقَطِعَ وَلَا يَكُونُ لِي عَقِبٌ فَقَالَ: يَا أَخِي إِنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تُبْقِي الذِّكَرَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، فَقَالَ لَهُ: دَعْنِي مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَخُذْ مَعِي فِي حَدِيثٍ إِنْ أَنَا فَعَلْتُهُ رُزَقْتُ وَلَدًا يَبْقَى مَعَ بَقَائِهِ ذِكْرِي وَلَا يَنْمَحِي مِنَ الدُّنْيَا أَثَرِيِ،
1سورة الزخرف – الاية 86




