فَتَنَفَّسَتْ فِي وَجْهِي الصُعَدَاءَ وَقَالَتْ لِي: يَا بُنَيَّ إِنَّ وَالِدَكَ رَحِمَهُ الله وَرَضِيَ عَنْهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ الِاجْتِمَاعَ مَعَ إِخْوَانِهِ فِي مَنْزِلِهِ لِإِكْرَامِهِمْ أَعَدَّ مَا يُعِدُّهُ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ ثُمَّ يَتَوَلَّى إِصْلَاحَ مَا يُرِيدُهُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْ غِلْمَانِهِ وَلَا جَوَارِيهِ يُمْسِكُ شَيْئًا مِنْهُ فَإِذَا أَرَادَ اجْتِمَاعَهُمْ أَنْفَذَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ فَجَاءَ بِهِمْ وَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ نَظَرِهُ إِلَّا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ قَدَمُهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى جَارِيَةٍ وَلَا إِلَى غُلَامٍ، وَلَا يُهِمُّهُ فَتْحُ بَابٍ وَلَا رَفْعُ سِتَارٍ، وَإِذَا تَكَامَلَ اجْتِمَاعُهُمْ وَأُصْلِحَتِ الْمَائِدَةُ وَقُدِّمَتْ لَهُمْ يَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَقْدُمُ إِلَيْهَا أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَأَحْسَنُهُمْ أَدَبًا وَأَغْزَرَهُمْ عِلْمًا فَيُومئُ بِيَدِهِ إِلَى الْمَائِدَةِ وَيَقُولُ: اللهمَّ بِاسْمِكَ ابْتَدَأْنَا وَبِكَ اهْتَدَيْنَا، وَبِبَابِكَ اقْتَدَيْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، اللهمَّ أَنْزِلْ نِعْمَةً أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا وَاجْمَعْ شَمْلَنَا وَآلَفَ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَخُصَّ بِمَا دَعَوْنَاكَ وَسَأَلْنَاكَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَارْزُقْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، ثُمَّ إِنَّهُ يَمدُ يَدَهُ إِلَى الطَّعَامِ فَيَأْكُلُ وَيَأْكُلُونَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ يَقُولُ الرَّجُلُ الْمُبْتَدَئُ بِالدُّعَاءِ اللهمَّ إِنَّكَ أَطْعَمْتَ فَأَمْرَيتَ، وَسَقَيْتَ فَأَرْوَيْتَ وَهَدَيْتَ فَأَعْفَيْتَ، وَخَوَّلْتَ فَأَحْيَيْتَ وَمَنَنْتَ فَأَنْعَمْتَ وَتَفَضَّلْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَوْلَيْتَ، وَلَكَ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ ثُمَّ يَرْفَعُ الطَّعَامَ فَيُطويهِمْ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَحْضَرَ لَهُمْ الشَّرَابَ فَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي قُرْبَةٍ وَاحِدَةٍ مِلْؤُهَا شَرَابٌ وَمَاءٌ نِصْفَيْنِ وَيَتْرُكُهَا فِي الْوَسَطِ وَيَعْمُدُ التَّحِيَّةَ،




