وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ الْأُسُوسِ: قَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ هَيْئَةَ الْبَارِي تَعَالَى فِي الْقِدَمِ لَا مَوْصُوفٌ وَلَا مَحْدُودٌ وَلَا مُدْرَكٌ وَلَا دَاخِلٌ وَلَا خَارِجٌ وَلَا مُبَايِنٌ وَلَا مُمَازِجٌ وَلَا مُشَاهَدٌ وَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ فَهَذِهِ صِفَتُهُ فِي الْقِدَمِ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ أَنْ يَعْلَمَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ وَيَنْسُبَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ.
وَإِذَا أَمْعَنَّا النَّظَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجَدْنَا أَنَّ الْعَالِمَ عَزَّ عِزُّهُ قَالَ: أَنَّ هَيْئَةَ الْبَارِي تَعَالَى فِي الْقِدَمِ. وَلَمْ يَقُلْ صُورَةُ الْبَارِي، لَا مَوْصُوفٌ أَيْ لَا صُورَةٌ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ هُوَ مَا تَرَاهُ مِنَ الصُّورَةِ، وَلَا مَحْدُودٌ نَفَى الْحُدُودَ وَلَا مُدْرَكٌ نَفَى الْإِدْرَاكَ، وَلَا دَاخِلٌ وَلَا خَارِجٌ نَفَى عَنْهُ حُلُولَهُ فِي الشَّيْءِ وَخُلُوَّ الشَّيْءِ مِنْهُ، وَلَا مُبَايِنٌ وَلَا مُمَازِجٌ نَفَى عَنْهُ اخْتِلَاطَهُ بِالْأَشْيَاءِ، وَلَا مُشَاهَدٌ وَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ، نَفَى عَنْهُ الْمُشَاهَدَةَ وَالرُّؤْيَةَ وَلَيْسَ كُلُّ هَذَا النَّفْيِ يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِيَّةِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ وَاجِبِ الْوُجُودِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ مُوجِدٍ يُوجِدُهُ.
ثُمَّ قَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ الله شَاءَ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى فَتَكَلَّمَ وَظَهَرَ لِلْخَلْقِ فَكَانُوا يَرَوْنَهُ وَيُثْبِتُونَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا رُوحَانِيِّينَ فَأَمْكَنَهُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِحَسَبِ لَطَائِفِ ذَوَاتِهِمْ فَحِينَئِذٍ وَقَعَتِ الصِّفَاتُ وَاحْتِيجَ إِلَى الْمَعَارِفِ وَنِسْبَةِ الْأَمَاكِنِ.




