وَوَاجَهَتِ الأَنْفُسُ نِدَاءَ الحَقِّ، وَكَوْنَ الحَقِّ سُبْحَانَهُ لَا صِفَةَ لَهُ فَوَصَفَهُ العُلَمَاءُ مَجَازًا بِالصَّفَاءِ بِقَوْلِهِمْ: "كَانَ ظُهُورُهُ لِخَلْقِهِ كَالمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ" أَيْ شَدِيدَةِ الصَّفَاءِ حَتَّىٰ لَا يُوصَفَ صَفَاؤُهَا، لِقَوْلِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ الخُصَيْبِيِّ نضَّرَ الله وجْههُ شِعْراً:
يُرِيهِمُ الذَّاتَ تَصْوِيرًا بِقُدْرَتِهِ | جَلَّ المُصَوِّرُ عَنْ تَصْوِيرِ مُجْتَسَدِ |
وَقَالَ الأَمِيرُ حَسَنُ بْنُ مَكْزُونٍ قَدَّسَهُ اللَّهُ:
فَمَا شَهِدَتْهُ الِعَيْنٍ مَعْنًىٰ فَذَاتُهَا | وَمَنْ هَيْئَةٍ فَهِيَ المِثَالُ لِهَيْئَتِي |
وَقَالَ أَيْضًا:
تَجَلَّىٰ لِي فَجَلَّانِي لِعَيْنِي | كَمَا لِي صُورَةُ المِرْآةِ تَجْلُو |
وَقَالَ أَيْضًا:
كُلٌّ يَرَاكَ كَعَيْنِهِ | إِذْ أَنْتَ مِرْآةُ الوُجُودِ |
وَلَوْ ذَهَبْنَا لِإِثْبَاتِ مَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ صَفَاءِ الوُجُودِ لَكَانَتْ صَفَحَاتٍ كَثِيرَةً وَلَكِنِ اكْتَفَيْنَا لِوُضُوحِ المَعْنَىٰ المُرَادِ.
فَعِنْدَمَا وَاجَهَتِ النَّفْسُ صَفَاءَ الحَقِّ ارْتَسَمَ فِي صَفَاءِ الوُجُودِ هَيْئَتُهَا وَصُورَتُهَا الجَامِعَةُ لِمَعْقُولِهَا وَمَحْسُوسِهَا، فَالَّذِي تَرَاءَىٰ لَهَا مِنَ المَعَاجِزِ وَالقُدُرِ فَهُوَ نَظْرَةُ مَعْقُولِهَا وَمَا شَهِدَتْهُ مِنْ أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ وَعِلَلٍ وَمَعْلُولِيَّاتٍ وَتَخَاطِيطٍ وَصُوَرٍ فَهُوَ نَظْرَةُ مِزَاجِهَا الخَبِيثِ، وَأُقِيمَ لِلنَّفْسِ فِي مَشْهَدِ الحَقِّ حِسًّا لَهَا وَكَانَتْ صُورَةُ العَقْلِ بِمُوَاجَهَةِ النَّفْسِ وَجَعَلَ العَقْلُ خَلِيفَتَهُ فِي النَّفْسِ مَعْقُولَهَا لِتَلَقِّي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَكَانَ مَوْضِعَ الخِطَابِ.




