وَقِيلَ العَقْلُ كَالحَرَارَةِ المُطْلَقَةِ بِالكَوْنِ وَمَعْقُولُ النَّفْسِ كَالحَرَارَةِ فِي الحَدِيدِ وَالأَشْيَاءِ، وَالحَدِيدُ وَالأَشْيَاءُ كالجَوَانِبِ المَادِّيَّةِ مَعَ مَعْقُولِ النَّفْسِ، وَخَاطَبَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ: إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَهُ: «أَقْبِلْ» فَلَمْ يُقْبِلْ، وَقَالَ لَهُ: «أَدْبِرْ» فَأَدْبَرَ وَلَمْ يَرْجِعْ.
فَمَيَّزَ اللَّهُ العَقْلَ وَإِبْلِيسَ بِالأَفْعَالِ وَالأَعْمَالِ حَتَّىٰ تَتَعَلَّمَ النَّفْسُ الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، فَأَصْبَحَ لِلنَّفْسِ مَعَ العَقْلِ حَالَةُ إِدْبَارٍ وَإِقْبَالٍ فَبِجَانِبِ مَعْقُولِهَا إِقْبَالٌ وَبِجَانِبِ مَحْسُوسِهَا إِدْبَارٌ، فَإِقْبَالُهَا: هُوَ قَبُولُ إِشْرَاقِ العَقْلِ، وَاتِّصَالُهَا بِهِ لِتَلَقِّي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَإِدْبَارُهَا: تَتَعَلَّقُ بِعَالَمِ الحِسِّ مِنْ مَادِّيَّاتٍ وَشَهَوَاتٍ وَمَلَذَّاتٍ، وَأُقِيمَتِ الضِّدِّيَّةُ فِي النَّفْسِ بِأَفْعَالٍ وَأَعْمَالٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾(1) .
وَكَمَا قَالَ المَوْلَىٰ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّه: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِكُلِّ رُوحٍ شَيْطَانًا وَهُوَ الَّذِي يوَسْوَسَ فِي صُدُورِ النَّاسِ، ثُمَّ شَاءَ عِمَارَةَ الأَرْضِ فَأَقَامَ هَيَاكِلَ مِنْ طِينٍ عَلَىٰ عَدَدِ الأَنْفُسِ وَصَوَّرَهَا صُوَرًا وَأَنْزَلَ فِيهَا الأَنْفُسَ فَأَصْبَحَتْ حَيَّةً مُرِيدَةً مُتَحَرِّكَةً، وَأَنْزَلَ العَقْلَ وَجُنُودَهُ وَإِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ وَذَلِكَ لِتَتَعَلَّمَ النَّفْسُ مِنْهَا خَيْرَهَا وَشَرَّهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(2)».




