وَأَظْهَرَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ العَقْلَ وَجُنُودَهُ عَلَىٰ عَدَدِ أَفْعَالِ وَأَعْمَالِ جَانِبِ العَقْلِ فِي النَّفْسِ، وَأَظْهَرَ لِلْمَادَّةِ وَعَنَاصِرِهَا صُوَرًا عَلَىٰ عَدَدِ أَفْعَالِهَا فِي النَّفْسِ ثُمَّ خَاطَبَ الأَنْفُسَ بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾(1)، فَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَ العَقْلُ ثُمَّ جُنُودُهُ بِقَوْلِهِمْ: "بَلَىٰ" أَيْ نَعَمْ.
أَمَّا الجَوَانِبُ المَادِّيَّةُ قَالَتْ: "بَلَىٰ" أَيْ لَا بِعَدَمِ الإِقْرَارِ لِلْحَقِّ، فَنَظَرَتِ الأَنْفُسُ إِلَىٰ مَوْضِعِ الأَمْرِ وَسَارَعَ جَانِبُ مَعْقُولِهَا لِلْإِقْرَارِ بِالإِجَابَةِ فَتَحَرَّكَتِ القُوَىٰ المَادِّيَّةُ المُظْلِمَةُ لِتَعْطِيلِ إِقْرَارِ جَانِبِ مَعْقُولِ النَّفْسِ، فَعِنْدَهَا وَقَفَتِ النَّفْسُ مُتَحَيِّرَةً شَاكَّةً بِإِقْرَارِهَا لِجَانِبِ مَعْقُولِهَا فَخَلَقَ مِنْ حَيْرَتِهَا وَشَكِّهَا إِبْلِيسَ الأَبَالِسَةِ مَجْمُوعَ المَعَاصِي وَالذُّنُوبِ وَتَصَوَّرَ بِإِطْلَاقِهِ بِالمِزَاجِ الخَبِيثِ كَمَا كَانَ العَقْلُ مُطْلَقًا بِالصَّفَاء، وَمَا زَالَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ مَعَ الأَنْفُسِ فِي عَالَمِ الأَشْبَاحِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَجَانِبُ مَعْقُولِهَا يُسَبِّحُ وَيُقَدِّسُ لِلَّهِ تَعَالَىٰ وَهُنَا قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ﴾(2)، وَقِيلَ أَيْضًا: "إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ المَلَائِكَةِ".
وَقَالَ المَوْلَىٰ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّه: «إِنَّهُمْ فِي الأَظِلَّةِ، كَانَ الخَلْقُ ذَرًّا مِثْلَ دَقِّ الخَيَالِ بِلَا أَجْسَامٍ لَهُمْ وَلَا صُوَرٍ، أَشْبَاحًا غَيْرَ مُمَثَّلَةٍ يَسْمَعُونَ وَيَعْقُلُونَ وَيَعِاينُونَ وَيَنْطِقُونَ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُخَاطِبُ مَنْ لَا يَعْقُلُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَنْطِق»، فَخَاطَبَ الحَقُّ العَقْلَ بِقَوْلِهِ لَهُ: "«أَقْبِلْ» فَأَقْبَلَ، وَقَالَ لَهُ: «أَدْبِرْ» فَأَدْبَرَ.
فَإِقْبَالُ العَقْلِ: مُوَاجَهَةُ العَقْلِ الكُلِّيِّ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ، وَإِدْبَارُهُ: مُوَاجَهَةُ النَّفْسِ وَإِشْرَاقُهُ عَلَيْهَا لِيُكْمِّلَ جَانِبَ مَعْقُولِهَا، فَبِإِشْرَاقِ العَقْلِ عَلَىٰ مَعْقُولِ النَّفْسِ يُشْرِقُ مَعْقُولُ النَّفْسِ عَلَىٰ الجَانِبِ المَادِّيِّ المُظْلِمِ فَتَسْتَفِيدُ الجَوَانِبُ المَادِّيَّةُ مِنْ هَذَا الإِشْرَاقِ عَلَىٰ أَنَّ لَهَا خَالِقًا خَلَقَهَا وَمَعْرِفَةَ أُنْثَاهَا مِنْ ذَكَرِهَا وَمَضَارِّهَا مِنْ مَنَافِعِهَا وَتُرَافِقُهَا إِلَىٰ عَالَمِ مُسُوخِيَّتِهَا وَيُسَمَّىٰ لَهَا ذَلِكَ بِعَقْلِ المَعَاشِ، فَنِسْبَةُ العَقْلِ إِلَىٰ النَّفْسِ كَنِسْبَةِ النَّفْسِ إِلَىٰ البَدَنِ فَكمَا أَنَّ النَّفْسَ صُورَةٌ لِلْبَدَنِ وَالبَدَنُ مَادَّتُهَا كَذَلِكَ العَقْلُ صُورَةٌ لِلنَّفْسِ وَالنَّفْسُ مَادَّتُهُ، وَهُوَ مُشْرِقٌ عَلَيْهَا وَعُلُومُهَا مِنْهُ.




