لِذَلِكَ كَانَ لِسَانُ حَالِ الْجَوْهَرِ بِالْأَخِ الْأَكْبَرِ غَيَابَةُ جُبِّهِمْ، فَالْجُبُّ: هُوَ مَوْضِعُ الْمَاءِ لِسِقَايَةِ الْخَلْقِ، لِسِقَايَةِ الْأَنْفُسِ، وَجُبُّهُمْ: كَانَ بُرُوزَ الصُّورَةِ الَّتِي تُمَاثِلُهُمْ فِي عَالَمِهِمْ عَالَمِ الْأَشْكَالِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ وَهِيَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ.
فَقَالَ لَهُمُ: اجْعَلُوهُ فِي هَذَا الْجُبِّ، عِنْدَ ذَلِكَ تَحَقَّقَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَيْ غُيِّبَ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ عَالَمِ الْخَلْقِ وَهُوَ يُرَىٰ كَالْخَلْقِ فَيُسَمَّىٰ: جُبٌّ بِغَيْبَةِ ذَلِكَ الْمَظْهَرِ الَّذِي فَارَقَ كُلَّ الْمَظَاهِرِ الَّتِي دُونَهُ مِنْ أَشْكَالٍ وَرُسُومٍ. فَكَانَ هُنَا تَغْيِيبُ وَجْهِ عَالَمِ الْأَنْفُسِ فِي مَشْهَدِ الْحَقِّ، وَسُمِّيَ جُبًّا لِثُبُوتِ غَيْبَةِ بَقِيَّةِ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ وَبُرُوزِ هَذَا الْجَوْهَرِ بَيْنَ الْخَلْقِ كَشَاهِدٍ.
السُّؤَالُ الخامِسُ وَالثَّلَاثُون
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(1).
مَا فَهْمُ طَلَبِ الْإِخْوَةِ أَخْذَ يُوسُفَ لِيَلْعَبَ وَيَرْتَعَ مَعَهُمْ؟
الْجَوَابُ: لِأَنَّ الْإِخْوَةَ هِيَ الْأَفْعَالُ وَالْأَعْمَالُ وَسَيْرُ الْحَقِّ بَيْنَ عَالَمِ الْخَلْقِ يَتَمَثَّلُ بِأَفْعَالٍ وَأَعْمَالٍ لَا بِأَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ لِلْعَقْلِ حَتَّىٰ يَظْهَرَ مِنْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصِفَةٍ أَوْ شَكْلٍ أَوْ شَيْءٍ أَوْ عَرَضٍ.




