لِذَلِكَ فالْمَنَامِ: مَا هُوَ إِلَّا تَمَثُّلُ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْفِطْرَةِ فِي الْأَصْلِ فِي مَشْهَدِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، إِنَّمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ تَخَيُّلُهَا مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ خَيَالًا لِعَالَمِ صِّفَاتِ وَصُّوَرِ وَهُنَا كَقَوْلِنَا ﴿تَمَثَّلَ جِبْرَائِيلُ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾(1) وَهُنَا تَمَثُّلُ الْحَقَائِقِ الْعَقْلِيَّةِ بِمَشَاهِدَ حِسِّيَّةٍ لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ تَصَوُّرُهَا أَوْ يَثْبُتَ لَهَا وُجُودٌ عَقْلِيٌّ إِلَّا مِنْ خِلَالِ التَّمَثُّلِ، لِذَلِكَ تَرَىٰ فِي نَوْمِكَ أَنَّكَ تَذْهَبُ إِلَىٰ مَدِينَةٍ مَا تَأْكُلُ.. تَشْرَبُ.. تَلْعَبُ.. فَكُلُّهَا قَضَايَا مَادِّيَّةٌ تُنْسَبُ إِلَىٰ عَالَمِ الْمَوَادِّ، وَلَكِنْ لَوْ تَبَصَّرْتَ قَلِيلًا تَجِدُ أَنَّكَ لَمْ تُغَادِرْ بَيْتَكَ، فهَذَا تَمَثُّلٌ لَكَ أَيْ لِحَرَكَةِ الرُّوحِ الَّتِي تُمَثِّلُ جَانِبَ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ فَتَحَرَّكَتْ هَذِهِ الرُّوحُ وَحَرَكَتُهَا عَقْلِيَّةٌ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُثْبِتَ لِلنَّفْسِ شَيْءٌ لَمْ تَتَمَثَّلْ لَهَا بِصِفَاتٍ حِسِّيَّةٍ.
وَهُنَا الْإِشَارَةُ إِلَىٰ مَشَاهِدِهَا فِي عَالَمِ الْأَظِلَّةِ قَبْلَ بُرُوزِهَا بِعَالَمِ الْمَوَادِّ فَكَانَتْ عَالَمَ أَشْبَاحٍ مَعَ الْأَرْوَاحِ قَبْلَ تَنَزُّلِهَا إِلَىٰ عَالَمِ الْبَدَنِيَّةِ.
السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُون
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾(2) لِمَاذَا قَالَ رَأَيْتُ وَلَمْ يَقُلْ أَرَىٰ؟
الْجَوَابُ: رَأَيْتُ بِالنَّصِّ الْعَقَائِدِيِّ مِثْلُهَا عِنْدَنَا إِقَامَةُ الشَّيْخِ بِ "تَبَدَّيْتَ" لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْحَقِيقَةِ الْإِلَٰهِيَّةِ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ أَيْ بِاسْتِمْرَارِيَّةِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَبِقِدَمِهَا وَبِأَزَلِيَّتِهَا، فَقَالَ: رَأَيْتُ، وَلَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ لَأَصْبَحَ وُجُودُ الْحَقِّ مُقَيَّدًا فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ وَفِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ.




