القُبَّةُ الأُولَىٰ لِلنَّفْسِ المُسَمَّاةِ بِالهَابِلِيَّةِ
لَقَدْ وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ حَوْلَ التَّكْوِينِ الأَوَّلِ وَالخَلْقِ المُشَارِ إِلَيْهِ بِالذَّرِّو الأَوَّلِ فَمِنْ حَيْثُ طَرِيقَتِنَا الخُصَيْبِيَّةِ بُنِيَ التَّكْوِينِ وَالخَلْقِ بِقِيَامِ الصُّورَةِ المَرْئِيَّة.
أَمَّا مَا وَرَدَ حَوْلَ التَّكْوِينِ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا شَاءَ وَقَدَّرَ تَكْوِينَ الكَوْنِ فَسَطَحَ الأَرْضَ وَجَعَلَهَا سُهُولًا وَجِبَالًا وَوِدْيَانًا وَزَيَّنَهَا بِالأَنْهَارِ وَالأَشْجَارِ وَرَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَجَعَلَهَا نُورًا وَضِيَاءً وَزَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ وَالكَوَاكِبِ عَالَمِ العَقْلِ.
وَأَرَادَ عِمَارَةَ الأَرْضِ كَمَا عَمَّرَ السَّمَاءَ، فَعَالَمُ السَّمَاءِ عَالَمُ عَقْلٍ لَا يَصْلُحُ لِلْحِرَاثَةِ وَالبِنَاءِ وَالتَّنَاسُلِ وَعَالَمُ الأَرْضِ عَالَمُ جَمَادٍ لَا يَصْلُحُ لِلذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ، فَأَخَذَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ قَبْضَةً مِنْ عَالَمِ العَقْلِ بِيَدِهِ اليَمِينِ وَقَالَ: «هَذِهِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي» لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾(1)، وَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ عَالَمِ الأَرْضِ بِيَدِهِ الشِّمَالِ وَقَالَ: «هَذِهِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي»، لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾(2).
وَمَزَجَهُمَا بِبَعْضِهِمَا بَعْضًا وَخَلَقَ مِنْ تِلْكَ المَزْجَةِ عَالَمَ الأَنْفُسِ وَأَقَامَهَا أَشْبَاحًا بِلَا أَجْسَامٍ، وَكُوِّنَتِ النَّفْسُ مِنَ العَقْلِ وَالمَادَّةِ بِالتَّسَاوِي وَمَلَّكَهَا بِالِاسْتِطَاعَةِ لِسَمَاعِ الأَمْرِ والنَّهي قَدًّا بِقَدٍّ وَوَزْنًا بِوَزْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾(3).




