قِيلَ: الْمَشْوِيُّ، فَمَاذَا يَعْنِي الْمَشْوِيُّ؟ يَعْنِي بِانْتِفَاءِ الْحَرَكَةِ بِانْتِفَاءِ الدَّمِ أَيْ بِانْتِفَاءِ عَالَمِ الْخَلْقِ وَثبُوتِ الْهَيْئَةِ الَّتِي هِيَ عِجْلٌ. مَا غَايَةُ الْحَرْقِ؟ لَا وُجُودَ لِدَمٍ وَلَا وُجودَ لِحَرَكَةٍ وَلَا رُوحَ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ رُوحٌ بَعْدَ إِحْرَاقِهِ تَذْهَبُ رُوحُهُ أَيْ بِمَعْنَىٰ إِطْلَاقِ هَذَا الْبَدَنِ الَّذِي يُرَىٰ بِجَوْهَرِيَّتِهِ، فَأَنْتَ تُقِيمُ هَذَا الْعِجْلَ الَّذِي هُوَ بَدَنُكَ حِينَئِذٍ بِحَرْقِ مَوَادِّهِ وَعِلَلِهِ وَصُورَتِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ قَدْ أَطْلَقْتَهُ بِجَوْهَرِهِ وَهَذَا ذَاتُهُ، فَأَطْلَقَ النَّبِيُّ ذَاتَهُ بَيْنَ يَدَيْ ضُيُوفِهِ الَّتِي هِيَ مَشَاهِدُ الْعَقْلِ الْكُلِّيِّ، وَهُمْ رُسُلُهُ الَّذِينَ بَدَا مِنْهُمْ، لِذَلِكَ لَمْ تَصِلْ أَيْدِيهِمْ إِلَيْهِ، لِمَاذَا؟
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْدُونَ مِنْهُ، بَلْ هُوَ الَّذِي بَدَىٰ مِنْهُمْ وَهُوَ لَيْسَ مَوْضِعَ غِذَاءٍ لَهُمْ، لِهَؤُلَاءِ الضُّيُوفِ لِهَيْئَةِ الْحَقِّ، لَمْ تَمْتَدَّ أَيْدِيهِمْ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي تَمْتَدُّ يَدُهُ إِلَىٰ الْعَقْلِ الْكُلِّيِّ حَتَّىٰ يَأْخُذَ الْإِشْرَاقَ مِنْهُ فَهُمْ لَا حَاجَةَ لَهُمْ مِنْهُ وَإِنْ أَطْلَقَ وُجُودَ الْعَقْلِ، فَمَشَاهِدُ الْعَقْلِ الْكُلِّيِّ أَرْقَىٰ وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ، وَالْخَوْفُ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ مِمَّا وُصِفَ بِهِ النَّبِيُّ هُوَ انْقِطَاعُهُ عَنْ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ الْعَيْنِيَّةِ الصُّورِيَّةِ، فَهَذَا الْخَوْفُ وَهَذَا الْإِيوَاءُ وَهَذَا الْهَرُوبُ وَهَذَا السَّعْيُ وَكُلُّ مَا قَصَه اللَّهَ.
فَالْخُرُوجُ هُوَ الِانْقِطَاعُ إِنْ كَانَ خُرُوجٌ أَوْ سَعْيٌ أَوْ جَزَعٌ أَوْ فَزَعٌ أَوْ خَوْفٌ، فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُفَارَقَةِ الْجَوْهَرِ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: انْظُرِ الضَّحِكَ مَذْمُومٌ لِأَنَّهُ هُوَ كَمَالُ الصِّفَاتِ بِدُونِ جَوْهَرِهَا، فَهَذَا الضَّحِكُ وَالِابْتِسَامُ تَنْقُلُ الْجَوْهَرَ بِالصِّفَةِ حَتَّىٰ تُصْبِحَ الصِّفَةُ صُورَةً، لِذَلِكَ مِنْ هَذَا الضَّحِكِ تَوَلَّدَ مَشْهَدُ الْحَقِّ، أَيْ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ بَانَ وَبَدَا كَمَالُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، فَكَانَ مِنْ هَذِهِ الضَّاحِكَةِ عَالَمُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.




