لِذَلِكَ هُنَا خِطَابُ الْعَقْلِ لِمَنْ؟
لِلِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَالشَّكْلِ الَّذِي رَافَقَهُ ثُمَّ بَانَ عَنْهُ وظْهَرٌ لِلْأَنْفُسِ أَيْ مَا بَانَ وظْهَرٌ لِلْأَنْفُسِ، فَوَقَعَ الْخِطَابُ هُنَا بَيْنَ مَعْقُولِ هَذِهِ النَّفْسِ وَهُوَ نَبِيُّهَا وَمَا بَيْنَ مِزَاجِهَا الْخَبِيثِ الَّذِي يَدْعُوهَا إِلَىٰ إِقَامَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ وَهُوَ ابْنُهُ الَّذِي رَفَضَ الْأَمْرَ، لِذَلِكَ كَانَ لِنُوحٍ وَلَدَانِ أَحَدُهُمَا مَوْضِعُ النُّبُوَّةِ وَرَكِبَ مَعَهُ السَّفِينَةَ وَالْآخَرُ مَوْضِعُ الضِّدِّيَّةِ وَخَالَفَ الْأَمْرَ بِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ عَالَمُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ -ذَلِكَ الْوَلَدَ -الَّذِي بَانَ عَنْهُ فَأَنْتَ مَاذَا بَانَ عَنْكَ؟ .
بَانَ عَنْكَ خَلْقُكَ وَلَيْسَ ذَاتُكَ، فَأَنْتَ تُجِدُّ وَتَجْتَهِدُ لِتُخَلِّصَ ذَاتَكَ مِنْ بَدَنِكَ فَذَاكَ غَايَةُ جِهَادِكَ وَعَمَلِكَ الْخَيِّرِ وَدِينِكَ وَعَقِيدَتِكَ وَعِلْمِكَ ...إِلَىٰ آخِرِهِ.
إِذًا وَقَعَ الْأَمْرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْقُولِ "ذَلِكَ النَّبِيِّ" إِلَىٰ "مَا ظَهَرَمنهُ" إِلَىٰ تِلْكَ الصِّفَةِ وَالشَّكْلِ الْبَائِنِ بِأَنْ يَتَّبِعَ الْعَقْلَ وَيَنْفِيَ وُجُودَهُ، فَرَفَضَ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ وَالْعَوْدَةَ وَالْإِقْلَاعَ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ وَالشَّكْلِ وَالْعَوْدَةَ إِلَىٰ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَاعْتَزَّ ثَانِيَةً بِصُورَتِهِ وَبِشَكْلِهِ وَبِاسْمِهِ وَرَفَضَ زَوَالَ ذَاتِهِ.
وَهَذَا تَعْلِيمٌ لِلنَّفْسِ لِأَنَّهُ بِمَشْهَدِ الْحَقِّ لَا وُجُودَ لِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْحَالَةُ تَتَمَثَّلُ فِي عَالَمِ الْأَبْدَانِ عَالَمِ الْبَشَرِ وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي وُجُودِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ لِذَلِكَ عِنْدَمَا رَفَضَ الْأَمْرَ قَالَ: سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي، وَالْجَبَلُ وَرَدَ تَعْرِيفُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾(1) وَقَالُوا بِأَنَّهُ الْبَدَنُ الْقَائِمُ، الصُّورَةُ الْقَائِمَةُ لِعَالَمِ النُّبُوَّةِ أَيْ صُورَةُ هَذَا النَّبِيِّ الْمَعْقُولِ الْقَائِمِ فِي النَّفْسِ فَكَانَ إِحْدَاثُهُ مِنَ الْخَلْقِ بِهَذَا الْبَدَنِ.




