وَوَرَدَ الْخِطَابُ مِنَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِسُؤَالِهِ لِهَذَا الْأَلِفِ: «لِمَاذَا لَمْ تَسْجُدْ؟»، قَالَ: "إِنِّي مُتَرَقِّبٌ لِلْأَمْرِ" فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَلِفَ هُوَ مَصْدَرُ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ النَّازِلِ بِتِلْكَ الْمَشَاهِدِ الْعَقْلِيَّةِ، فَعَلِمْنَا مِنْ خِطَابِهِ مَعَ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: "إِنِّي لِلْأَمْرِ مُنْتَظِرٌ" فَعَلِمْنَا أَنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ الْقَائِمُ الْحَاصِلُ مِنَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِي مَشَاهِدِ الْعَقْلِ، وَكَوْنِ مَشَهِدِ الْعَقْلِ مُنْفَرِدٍ عَنْ حَاجَاتِ النَّفْسِ فَالَّذِي سَجَدَ مَشَاهِدُ النَّفْسِ، وَالْعَقْلُ غَيْرُ خَاضِعٍ لِلنَّفْسِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ قَيْدِ السُّجُودِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ عِلَلٍ وَمَعْلُولِيَّاتِ النَّفْسِ وَلَيْسَ لِلنَّفْسِ حَاجَةٌ بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ مَشْهَدُ إِطْلَاقِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ.
قُلْنَا هُوَ الْعَقْلُ الَّذِي لَا شَكْلَ لَهُ وَلَا صِفَةَ لِذَلِكَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ حَتَّىٰ يُعَلِّمَ النَّفْسَ إِنَّ مَا وَاجَهَتْهُ مِنْ أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ وَصُوَرٍ صَدَرَ مِنْ عِلَلِهَا وَلَيْسَ مِنَ الْعَقْلِ، وَسُجُودُ الْحُرُوفِ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلِ تَعْلِيمًا لَهَا بِأَنَّ الْكَثْرَةَ وَالتَّحْوِيلَ وَالتَّبْدِيلَ مِنْ حَيْثِهَا وَلَيْسَ مِنْ حَيْثِهِ.
أَمَّا كَوْنُ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ خَارِجٍ عَنْ مُوَاجَهَةِ هَذِهِ النَّفْسِ وَمَشَاهِدِهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ مَشَاهِدِهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْمَشَاهِدِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَىٰ النَّفْسِ، لِأَنَّهُ بِانْتِفَاءِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يُصْبِحُ عَقْلًا كُلِّيًّا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالنَّفْسِ.




