فَالتَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ مِنْ جِهَةِ النَّفْسِ لَا مِنْ جِهَةِ الخَالِقِ، فَجَانِبُ الحَقِّ سُبْحَانَهُ ثَابِتٌ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، إِنَّمَا التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ فِي النَّفْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّروا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(1) وَذَلِكَ لِحَاجَتِهَا لِلتَّعْبِيرِ وَالنُّطْقِ وَالعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ.
فَأَقَامَ لَهَا حَاجَتَهَا بِالنُّطْقِ فَكَتَبَ لَهَا المَوْلَىٰ شِيثٌ الحُرُوفَ الأَبْجَدِيَّةَ، فَالحُرُوفُ الأَبْجَدِيَّةُ بِمَجْمُوعِهَا: عِبَارَةٌ عَنْ مَشَاهِدِ النَّفْسِ بِالحَقِّ سُبْحَانَهُ وَالَّتِي تَقَدرُ النَّفْسُ أَنْ تَرَاهَا وَتُعَبِّرَ عَنْهَا، أَيْ هِيَ مَوْضِعُ الحَوَاسِّ القَائِمَةِ بِالعَقْلِ.
فَهَذِهِ النَّفْسُ عِنْدَمَا قِيلَ كَتَبَهَا بِذَاتِ الِاسْمِ، فَذَاتُ الِاسْمِ هُوَ العَقْلُ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِتُرَاثِنَا وَكُتُبِنَا: "أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحَبَّ أَنْ يُعْرَفَ"، وَقِيلَ: "أَنَّ اللَّهَ لَمَّا شَاءَ أَنْ يُعَرِّفَ نَفْسَهُ لِلْخَلْقِ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ وَجَدَهُ وَأَقَامَهُ هُوَ العَقْلُ"، وَوَرَدَ بِالرِّوَايَاتِ: "قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، وَأَدْبِرْ فَأَدْبَرَ"، لِذَلِكَ ذَاتُ الِاسْمِ هُوَ العَقْلُ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ كَتَبَهَا بِذَاتِ الِاسْمِ أَيْ بِمَشْهَدِ العَقْلِ فَكَانَتْ تِلْكَ الحُرُوفُ هِيَ مَشَاهِدَ مَعْقُولِ النَّفْسِ.
لِمَاذَا نَقُولُ مَشَاهِدَ مَعْقُولِ النَّفْسِ؟
لِأَنَّهَا مُسْتَحْدَثَةٌ: بِصِفَةٍ بِاسْمٍ بِشَكْلٍ وَكُلُّ مَا هُوَ قَائِمٌ تَحْتَ قَيْدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالأَشْكَالِ مَنْشَأُهُ الأَنْفُسُ وَلَيْسَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ.




