البَحْثُ الثَّانِي
[ مَعَالِمُ الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ لِلنَّفْسِ بِالقُبَّةِ الشِّيثِيَّةِ ]
السُّؤالُ الأَولُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جَاءَتْ صُحُفُ شيِث بِالتَّشْخِيصِ لِذَاتِ الِاسْمِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جِلْدِ بَقَرٍ، دَبَغَهَا حَتَّىٰ ابْيَضَّتْ، مَاذَا نَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ؟
الجَوَابُ: لَمَّا اخْتُبِرَتِ النَّفْسُ بِالظُّهُورِ الأَوَّلِ وَانْتَقَلَتْ وَأَقَرَّتْ وَتَبَدَّلَتْ حَالَتُهَا أَصْبَحَتْ لَوَّامَةً، لِأَنَّ النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ الَّتِي أَقَرَّتْ بِبَعْضٍ وَغَفَلَتْ عَنِ البَعْضِ الآخَرِ، أَيْ تَارَةً تُقِيمُ صِفَةً وَشَكْلًا فَتُسَارِعُ وَتَنْفِي مَا أَقَامَتْهُ بِمَشْهَدِ العَقْلِ ثُمَّ تَنْدَمُ عَلَىٰ هَذَا الفِعْلِ، وَتَارَةً تَعُودُ وَتَنْفِي الصِّفَةَ وَالشَّكْلَ وَتَلُومُ نَفْسَهَا عَلَىٰ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ لَوَّامَة.
فَكَانَتْ نِسْبَةُ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ إِلَىٰ البَدَنِ كَنِسْبَةِ المَلِكِ بِدَارِ مَمْلَكَتِهِ، فَالقَلْبُ لَهُ مَنْزِلٌ خَاصٌّ وَالحَوَاسُّ البَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ خَدَمٌ لَهُ، يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ إِشَارَتِهِ وَيَسْكُنُونَ عِنْدَ سُكُونِهِ وَلِذَلِكَ هِيَ وَاحِدَةٌ بِالذَّاتِ مُتَكَثِّرَةٌ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَحَبَّةِ القَمْحِ عِنْدَ زِرَاعَتِهَا بِعَالَمِ المَوَادِّ فَيَخْتَلِفُ إِنْبَاتُهَا وَوَرَقُهَا وَسَنَابِلُهَا وَذَلِكَ وَفْقَ حَالَةِ الأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ فِيهَا وَهِيَ وَاحِدَةٌ.
وَكَانَ لَابُدَّ أَنْ تَمْتَلِكَ قُوَّىً لِلتَّعْبِيرِ بِالنُّطْقِ عَنْ غَايَتِهَا وَحَاجَتِهَا فَشاهدَتِ العَقْلَ الَّذِي يُوَاجِهُ جَانِبَ مَعْقُولِهَا بِشِيثٍ، لِأَنَّهُ تَبَدَّلَ لَهَا مَشْهَدُهَا بِالعَقْلِ كَوْنَهَا هِيَ تَبَدَّلَتْ فَرَأَتْ صُورَةً غَيْرَ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَىٰ الحَالَةِ الَّتِي مَضَتْ، فَمَعَ تَبَدُّلِهَا تَبَدَّلَتِ الصُّورَةُ مِنْ صُورَةِ هَابِيلَ إِلَىٰ صُورَةِ شِيثٍ.




