وَتَابَعَتِ النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ أَوَامِرَ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ وَوَقَعَ بِحَقِّهَا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾(1)وَكَمَا قَالَ المَوْلَىٰ الصَّادِقُ عزَّ عزُّه: «فَمَوْتُ الأَنْفُسِ بِالجُحُودِ وَالإِنْكَارِ وَحَيَاتُهَا بِالمَعْرِفَةِ وَالإِقْرَارِ».
فَفَرِحَتِ النَّفْسُ وَاسْتَبْشَرَتْ بِسِرِّ مُوَاجَهَتِهَا المُنْعَمِ عَلَيْهَا مِنْ جَانِبِ العَقْلِ فَلَمَّا رَأَىٰ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ النِّعَمَ الَّتِي فَاضَتْ عَلَىٰ مَعْقُولِ النَّفْسِ وَلَمْ يَدْرِ سَبَبَهَا فَأَعَادَ حَسَدَهُ عَلَىٰ جَانِبِ العَقْلِ وَأَصْبَحَ يَبْحَثُ عَنِ الصُّورَةِ الَّتِي أُمِرَ بِالسُّجُودِ لَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَأَصْبَحَ وَتَابِعِيهِ كُلَّمَا رَأَوْا صُورَةَ بَشَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ نَجْمٍ أَوْ كَوْكَبٍ أَوْ أَيَّ صُورَةٍ سَجَدُوا لَهَا وَعَبَدُوهَا.
وَكَوْنُ هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي سَجَدَ لَهَا وَتَابِعِيهِ هِيَ مِنْ عِلَّةِ وُجُودِهِ وَوُجُودِ أَفْعَالِهِ وَأَعْمَالِهِ فِي النَفْس فَيَكُونُ أَظْهَرَ صُورَةَ حَسَدِهِ مَرَّةً أُخْرَىٰ وَيَكُونُ عَبَدَ جُرْمَهُ وَذَنْبَهُ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ بَدَأَتْ لِلْبَشَرِ عِبَادَةُ الدَّهْرِ، وَقِيَامُ الأَصْنَامِ فِي مِرْآةِ الحَقِّ جَلَّ وَعَلَا.
وَعِنْدَمَا نَذْكُرُ صُورَةَ المُوَاجَهَةِ نَعْنِي الحِسَّ الَّذِي أَقَامَتْهُ النَّفْسُ مِنْ عَامِلِ مِزَاجِهَا الخَبِيثِ فِي مِرْآةِ الحَقِّ، فَيُسَمَّىٰ حِسَّ العَقْلِ مِنْ حَيْثُ حِسُّهَا وَمِنْ حَيْثُ العَقْلُ عَقْلٌ لِقَوْلِ الفَيْلَسُوفِ حَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ الشِّيرَازِيِّ قَدَّسَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ: "ظَهَرَ مِنْ حَيْثِهِ فَشَاهَدْنَاهُ مِنْ حَيْثِنَا".
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عِلَلٍ وَمَعْلُولِيَّاتٍ وَنُعُوتٍ وَأَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ فِي مَشْهَدِ العَقْلِ هِيَ عِلَّةُ المِزَاجِ الخَبِيثِ بَاطِلَةٌ وَزَائِلَةٌ وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا وَإِنَّمَا كَانَتْ لِحَاجَةِ تَرَقِّي النَّفْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾(2).




