مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الطَّرِيقَةُ الْعَيْنِيَّةُ فِي مَشَاهِدِ الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ - جَابِرُ مَحْمُودُ عِيسَى

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 20 من 233

وَقَالَ أَمِيرُ المُؤمنين علَّيٌ عزَّ عِزُّه: «بَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ وَدَبَّ وَدَرَجَ فِي جُحُورِهِمْ فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ وَنَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ». وَانْتَهَىٰ اخْتِبَارُ الأَنْفُسِ وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهَا فَمِنْهَا مَنْ فَعَلَتِ الخَيْرَ وَذَبَحَتْ جَوَانِبَ الشَّرِّ كُلَّهَا فَعَادَتْ إِلَىٰ العَقْلِ الَّذِي مِنْهُ بَدَتْ، لِأَنَّ النَّفْسَ مَعْلُولَةُ العَقْلِ فَمَتَىٰ اتَّصَلَتْ بِهِ سَكَنَتْ وَاسْتَقَرَّتْ وَغَابَتْ حَرَكَتُهَا وَأَظْهَرَتْ سُكُونَهَا فَيَصْدُرُ عِنْدَ ذَلِكَ فِعْلُ العَقْلِ الكُلِّيِّ الَّذِي هُوَ الأَصْلُ وَهُوَ السُّكُونُ وَالصَّفَاءُ الأَوَّلُ بَعْدَ انْتِفَاءِ حَالَةِ النَّفْسِ المُتَحَرِّكَةِ.

وَمِنْهَا مَنْ أَقَرَّتْ بِبَعْضٍ وَغَفَلَتْ عَنْ بَعْضٍ وَذَبَحَتْ بَعْضَ الصُّوَرِ وَأَحْيَتْ بَعْضٍ وَزَادَ خَيْرُهَا عَنْ شَرِّهَا فَقَبِلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ مَظَاهِرَ العَقْلِ الأَوَّلِ المُشْرِقَةَ عَنِ العَقْلِ الكُلِّيِّ وَقَوِيَتْ قُوَاهَا العَقْلِيَّةُ، وَأَصْبَحَتْ حَوَاسُّهَا الخَمْسُ مَنَافِذَ لِأَفْعَالِ مَعْقُولِهَا الَّذِي تَمَثَّلَ لَهَا بِالخَمْسِ كَلِمَاتٍ الَّتِي حَقَّقَتْ بِهَا التَّوْبَةَ أَيِ العَوْدَةَ إِلَىٰ عَقْلِهَا بِالمُوَاجَهَةِ الدَّائِمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(1) فَزَادَتْ نَظْرَةُ مَعْقُولِهَا بِذَبْحِ صُوَرِ مَحْسُوسِهَا فَقَابَلَهَا بِذَلِكَ الفِعْلِ فِعْلٌ بِصُورَةِ المُوَاجَهَةِ لَهَا.

فَكَمَا تَبَدَّلَتْ صُورَةُ النَّفْسِ مِنْ أَمَّارَةٍ بِالسُّوءِ إِلَىٰ لَوَّامَةٍ فَتَبَدَّلَتْ صُورَةُ المُوَاجَهَةِ فِي مَشْهَدِ العَقْلِ إِلَىٰ صُورَةٍ أُخْرَىٰ وَتَسَمَّتْ تِلْكَ الصُّورَةُ بِشِيثٍ جَلَّ عَلَاهُ، وَكَتَمَ مَعْقُولُ النَّفْسِ حَالَتَهُ عَنْ مِزَاجِهِ الخَبِيثِ بِسِرِّ تَبَدُّلِهِ وَتَبَدُّلِ صُورَتِهِ الموَاجِهَةِ لَهُ وَبَدَأَتِ العِبَادَةُ سِرًّا مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ، لِذَلِكَ عِنْدَ غَيْبَةِ مَوْلَانَا هَابِيلَ لَمْ يُرَ لَهُ صُورَةٌ وَلَا جَنَازَةٌ وَلَا قَبْرٌ وَلَمْ تَقَعْ تِلْكَ الصُّورَةُ عِنْدَ الغَيْبَةِ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْ عَوَالِمِ العَقْلِ أَوِ البَشَرِ.

الهوامش

1سُورةالبقرة – الآية 37
الصفحة 20 من 233