السُّؤَالُ مِئَةٌ وَتِسعةٌ وَستُونْ
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾(1).
مَا الفَهْمُ مِنْ جَمْعِ ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ؟
الجَوَابُ: أَوَّلًا الآيَةُ مَعْرُوفٌ عَنْهَا بِالنَّصِّ العَقَائِدِيِّ بِأَنَّهَا: هِيَ الظُّهُورُ، وَالآيَاتُ: الظُّهُورَاتُ، وَهَذَا الظُّهُورُ تَمَثَّلَ بِمَرْيَمَ وَالغُلَامِ عَلَىٰ ربْوَةِ، وَالرَّبْوَةُ دَائِمًا: هِيَ قِمَّةُ الشَّيْءِ المَنْظُورِ وَهِيَ مَوْضِعُ القِمَّةِ أَوْ مَوْضِعُ الغَايَةِ أَوْ مَوْضِعُ اِسْتِقْرَارٍ لِمَا ظَهَرَ، وَمَوْضِعُ اِسْتِقْرَارِ الجَبَلِ بِرَبْوَتِهِ وَمَوْضِعُ اِسْتِقْرَارِ السَّهْلِ بِرَبْوَتِهِ، وَعِنْدَمَا تَصِلُ إِلَىٰ مَرْحَلَةِ الاِسْتِقْرَارِ وَالإِيقَانِ تَكُونُ وَصَلْتَ إِلَىٰ رَبْوَةِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ لِذَلِكَ هَذَا هُوَ المَشْهَدُ الَّذِي نُعَبِّرُ عَنْهُ.
فَالرَّبْوَةُ هِيَ مَشْهَدُ الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ، وَيَتَمَثَّلُ لَنَا هَذَا المَشْهَدُ بِهَذِهِ الرَّبْوَةِ وَبِهَذَا الغُلَامِ وَبِهَذِهِ المَرْيَمِيَّةِ البَيْكَارِيَّةِ الحَائِطَةِ بِذَلِكَ الغُلَامِ، وَهُنَا بَرَزَ ظُهُورُ الحَقِّ لِعَالَمِ الخَلْقِ فَأَصْبَحَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَاعَلِمُوا: بِأَنَّهُ مِنْ بِدَايَةِ القَصِّ حَتَّىٰ الآنَ هِيَ حَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ وَلَكِنْ لَمْ نَتَمَكَّنْ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهَا إِلَّا بِمَشَاهِدَ حِسِّيَّةٍ، وَقُلْنَا أَنَّهُ كَمَنَامِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عزَّ عزُّه، وَهُنَا كُلُّ القَصِّ الَّذِي وَرَدَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ حَتَّىٰ الآنَ فَهُوَ تَعْبِيرٌ عَنِ الحَالَةِ العَقْلِيَّةِ إِلَّا بِقِيَامِهَا بِحَالَاتٍ حِسِّيَّةٍ. أَمَّا بَعْدَ الآنَ سَوْفَ يَبْدَأُ القَصُّ بِعَالَمِ الحَرَكَةِ، عَالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ أَيْ بِتَرْجَمَةِ تِلْكَ الحَقَائِقِ العَقْلِيَّةِ بِمَشَاهِدَ عَيْنِيَّةٍ حِسِّيَّةٍ مَرْئِيَّةٍ، فَالآنَ بَدَأَ القَصُّ بِالحَالَةِ العَيْنِيَّةِ الحِسِّيَّةِ المَنْظُورَةِ وَسَوْفَ تَرَوْنَ ذَلِكَ فِي الآيَاتِ المُقْبِلَةِ.




